د. ياسين علي محمد عزي
حين أعلنت رؤية المملكة 2030 دخول مرحلتها الثالثة، بعد تحقيق 93 % من مؤشرات الأداء، وسير 90 % من مبادراتها في مسارها أو اكتمالها، لم يعد السؤال الأهم عندي: ماذا حققت الرؤية؟ بل: ما اللغة التي سبقت هذه الأرقام بعقد كامل، وكتبت ملامح وطن نراه اليوم أمامنا؟ من هنا عدت إلى الافتتاحية المؤسسة لوثيقة رؤية المملكة العربية السعودية 2030، لا بوصفها نصًا من الماضي، بل بوصفها أحد المفاتيح العميقة لفهم التحول السعودي.
المهتمون بتحليل الخطاب يدركون جيدًا أن بعض النصوص لا تكتفي بتفسير الواقع، بل تشارك في صناعة شروطه الذهنية، وترسم الحدود التي تتحرك داخلها المؤسسات والقرارات والمشروعات لاحقًا. ولهذا لم يكن السؤال الذي قادني إلى هذا المقال: ماذا حققت الرؤية؟ فذلك سؤال تجيب عنه التقارير والمؤشرات. أما السؤال الأكثر إلحاحًا فكان مختلفًا: كيف استطاعت لغة كُتبت في عام 2016 أن تتحدث عن وطن نراه اليوم أمامنا؟ وكيف بقي نص صيغ قبل عقد كامل قادرًا على تفسير مشروع وطني ما زال يتقدم ويتجدد؟
أول ما يلفت في الافتتاحية المؤسسة للرؤية أنها لا تبدأ من النقص، كما تفعل كثير من خطابات التحول والتنمية، بل تبدأ من القوة. لا تبحث عما تفتقده المملكة، بل عما تملكه. فالعمق العربي والإسلامي، والقوة الاستثمارية، والموقع الإستراتيجي، لا تظهر في النص بوصفها عناصر تعريفية أو مقدمات إنشائية معتادة، بل بوصفها نقطة الانطلاق التي سيُبنى عليها كل شيء لاحقًا.
قد يبدو ذلك للوهلة الأولى تفصيلًا لغويًا دقيقاً، لكنه يكشف في الحقيقة اختلافًا عميقًا في طريقة التفكير. فهناك فرق بين مشروع وطني يتحرك مدفوعًا بذاكرة النقص، ومشروع آخر يتحرك بالثقة في الإمكان؛ الأول ينشغل بتعويض ما فقده، أما الثاني فينشغل باستثمار ما يملكه، ويجعل من عناصر قوته مدخلًا لصناعة غده لا مجرد رصيد يتكئ عليه.
ومن هنا يمكن فهم واحدة من أكثر السمات حضورًا في الخطاب القيادي لمحمد بن سلمان؛ فالنص المؤسس للرؤية لم يكن يحاول إقناع المجتمع بضرورة التغيير بقدر ما كان يعيد رسم حدود الممكن السعودي نفسه. لم يكن المستقبل فيه هروبًا من الحاضر، بل امتدادًا طبيعيًا لما تملكه المملكة من إنسان وموقع وقدرة وتاريخ. ولهذا لم تأت الرؤية باعتبارها وعدًا بالخروج من أزمة، بل باعتبارها دعوة إلى اكتشاف حجم الفرصة الكامنة داخل الدولة والمجتمع.
وتظهر هنا سمة أخرى لا تقل أهمية. فالمستقبل في الافتتاحية المؤسسة لا يبدو زمنًا بعيدًا، ولا حلمًا مؤجلًا ينتظر ظروفًا أفضل أو سنوات أطول، بل يبدو حاضرًا بصيغة مختلفة. وحين يتحدث النص عن العمل اليوم من أجل الغد، فإنه لا يؤجل المستقبل إلى نهاية الطريق، بل يستحضره إلى لحظة الفعل نفسها.
في تحليل الخطاب السياسي توجد مسافة كبيرة بين اللغة التي تتمنى واللغة التي تلتزم. الأولى تعد الناس بما قد يحدث، أما الثانية فتضع نفسها تحت مسؤولية ما تقول. ولهذا ليس من المصادفة أن تمتلئ الافتتاحية المؤسسة للرؤية بأفعال الحركة والعمل والبناء والتحويل. فهذه الأفعال لا تؤدي وظيفة نحوية فحسب، بل تؤدي وظيفة قيادية أيضًا؛ إذ تربط بين الطموح والمسؤولية، وبين الرؤية والتنفيذ، وبين القول وما يترتب عليه من التزام مؤسسي.
ولعل هذا ما جعل النص مختلفًا عن كثير من الوثائق التنموية التقليدية؛ فهو لا يكتفي بشرح المستقبل، بل يوزع المسؤولية عنه منذ اللحظة الأولى، ويجعل الغد شأنًا عمليًا لا مجرد أفق جميل في نهاية العبارة.
لكن التحول الأعمق في النص لا يتعلق بالزمن، بل بالإنسان. حين تصف الافتتاحية المؤسسة الشعب السعودي، ومعظمه من الشباب، بأنه الثروة الأولى التي لا تعادلها ثروة مهما بلغت، فإننا لا نكون أمام عبارة احتفائية بقدر ما نكون أمام إعادة تعريف لمعنى الثروة نفسها. فالثروة لم تعد تُفهم في النص بوصفها نفطًا أو موقعًا أو رأس مال فحسب، بل بوصفها إنسانًا قادرًا على تحويل هذه الموارد إلى قيمة وطنية مستدامة.
وهذه ليست مسألة لغوية عابرة، بل انتقال في مركز المعنى داخل المشروع الوطني كله. فالإنسان هنا ليس متلقيًا لثمار التنمية، بل أحد شروط حدوثها. وليس المستفيد الأخير من التحول، بل بدايته. ولهذا لم تكن رؤية المملكة 2030 مجرد انتقال اقتصادي، بقدر ما كانت إعادة ترتيب للعلاقة بين الدولة ومجتمعها؛ من مجتمع ينتظر الفرص إلى مجتمع يُدعى للمشاركة في صناعتها، ومن دولة تدير الموارد إلى دولة تستثمر في الإنسان الذي يمنح تلك الموارد قيمتها الحقيقية.
ومن هنا تظهر فكرة التحويل بوصفها إحدى البنى العميقة في النص المؤسس. فالرؤية لا تكتفي بذكر ما تملكه المملكة، بل تطرح سؤالًا ضمنيًا: ماذا يمكن أن نصنع بما نملك؟ فالموقع لا يبقى جغرافيا صامتة، بل يتحول إلى مركز ربط عالمي؛ والقدرات الاستثمارية لا تُذكر بوصفها ملكية جامدة، بل بوصفها طاقة اقتصادية قابلة للتفعيل؛ والشباب لا يظهرون كفئة عمرية فقط، بل كرأس مال وطني ينهض عليه معنى التحول. وبذلك لا يبقى الطموح معلقًا في فضاء البلاغة، بل يجد طريقه إلى الإدارة، والحوكمة، وقياس الأداء.
بعد عقد كامل من صدور الافتتاحية المؤسسة للرؤية، جاءت كلمة سمو ولي العهد بمناسبة دخول الرؤية مرحلتها الثالثة لتكشف تحولًا آخر لا يقل إثارة للاهتمام. ففي عام 2016 كانت اللغة مشغولة بالبدايات؛ بالبناء، والانطلاق، وإعادة تعريف الممكن. أما اليوم، فقد غدت اللغة معنية باستدامة التقدم، وترسيخ المكتسبات، وجاهزية أدوات التحول، وتكييف أساليب التنفيذ، وتسريع وتيرة الإنجاز.
إنها لغة مختلفة، ليس لأنها تخلت عن جوهرها، بل لأنها تتحرك داخل مرحلة مختلفة من عمر المشروع نفسه. وهنا لا نقرأ نصين منفصلين، بل نقرأ العمر اللغوي لمشروع واحد. ففي الافتتاحية المؤسسة للرؤية كان الخطاب يسبق الإنجاز ويهيئ له، وفي المرحلة الثالثة جاءت الإنجازات لتمنح الخطاب مفرداته الجديدة. في البداية كانت اللغة منشغلة بتوسيع حدود الممكن، أما اليوم فهي لغة ترتكز على إدارة الممكن بعد أن أصبح واقعًا.
وهذا، في تقديري، هو الفرق بين لغة تؤسس، ولغة تدير ما أسسته. الأولى تصنع الأفق، والثانية تحافظ على الزخم؛ الأولى تبني المعنى، والثانية تحافظ على امتداده داخل المؤسسات. ومن هنا يمكن القول إن انتقال لغة الرؤية ليس مجرد تغير في المفردات، بل انتقال من خطاب يفتح الطريق إلى خطاب يضمن ألا يفقد الطريق وجهته.
ورغم هذا التحول كله، بقي شيء واحد ثابتًا بصورة لافتة. في النص المؤسس للرؤية كان الإنسان هو الثروة الأولى، وفي المرحلة الثالثة ظل أبناء وبنات الوطن الاستثمار الأهم. تغيرت المفردات، وتبدلت الأولويات التنفيذية، لكن مركز الفكرة بقي في مكانه. هذا الثبات وسط حركة التحول ربما يكون أحد أهم مؤشرات النضج في المشاريع الوطنية الكبرى.
ولهذا لا يبدو السؤال الأكثر أهمية اليوم هو: ماذا حققت الرؤية؟ فالأرقام تجيب عن ذلك بوضوح. أما السؤال الأكثر إثارة للاهتمام فهو: كيف تحولت اللغة التي أعلنت الرؤية إلى لغة دولة؟ كيف انتقلت من الوعد إلى الحوكمة؟ ومن الطموح إلى المؤشر؟ ومن الفكرة إلى المؤسسة؟ ومن المستقبل المكتوب إلى المستقبل الذي يراه الناس في حياتهم اليومية؟
ربما لا تكمن فرادة النصوص القيادية الكبرى في أنها تتنبأ بالمستقبل، بل في أنها تمنح الحاضر لغةً يستطيع أن يتحرك بها نحوه. ومن هنا لا تبدو الافتتاحية المؤسسة لرؤية المملكة 2030، بعد عقد من إطلاقها، نصًا انتهت مهمته عند لحظة الإعلان، بل نصًا ما زال يضيء المسافة بين الفكرة والإنجاز، وبين الطموح والسياسة، وبين اللغة حين تكون وعدًا واللغة حين تتحول إلى عمل مؤسسي.
لذلك، فإن العودة إلى ذلك النص اليوم ليست عودة إلى أرشيف الرؤية، بل إلى أصل من أصول التحول السعودي؛ حيث صيغ الإنسان بوصفه الثروة الأولى، والزمن بوصفه مسؤولية، والقوة بوصفها قدرة على البناء، والمستقبل بوصفه مجالًا للفعل لا الانتظار.
وحين نقرأ الافتتاحية المؤسسة إلى جانب خطاب المرحلة الثالثة، ندرك أن التجربة لم تنتقل من رؤية إلى أرقام فحسب، بل من لغة تؤسس الأفق إلى لغة تدير منجزه. وهنا تحديدًا تتضح قوة الخطاب القيادي لمحمد بن سلمان؛ أنه لم يكتفِ بأن يصف المستقبل، بل منحه لغته الأولى، ثم ترك للدولة ومؤسساتها أن تجعل تلك اللغة واقعًا يراه العالم.
** **
- أكاديمي وكاتب سعودي