د. راشد العبدالكريم
الجميع، تقريباً، يتحدث عن الذكاء الاصطناعي. والكل يستخدمه، سواء شعر أم لم يشعر. فقد دخلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي كل جوانب حياتنا العملية والشخصية، دون وعي منا. فالتصحيح الإملائي واقتراح إكمال الكلمة واستخراج حروف الكلمات من الصور وقراءتها، والتعرف على الصور وتحويل الصوت إلى كتاب أو الكتابة إلى صوت، تعديل الصور، وأمثال ذلك، كلها من الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي - بلغة غير تقنية، وبأبسط عبارة - هو محاكاة لبعض قدرات الإنسان العقلية التي يتم من خلالها إنتاج شيء غير معروف (معلومة جديدة) من شيء معروف (معطيات)، أو التصرف بناء على معطيات معينة. يتم ذلك من خلال الخوارزميات التي هي طريقة التفاهم مع الحاسب، والتحكم فيه.
لندع الحديث عما هو داخل الصندوق، فهذا عمل التقنيين والمتخصصين. ولننشغل بالجانب التطبيقي، الظاهر، أي ماذا يعني الذكاء الاصطناعي للتربويين؟.
يصعب حصر تطبيقات هذا الذكاء التي يمكن أن توظف في مجال التعليم، لأن كثيراً منها، كما أشرت سابقاً، صارت من التطبيقات الحياتية اليومية.
بشكل عام الذكاء الاصطناعي تربوياً، هي الأعمال التعليمية والتعلمية التي يقوم بها الحاسب الآلي بمفهومه العام (بكافة أنواعه، بما فيها الهاتف الذكي)، نيابة عن الطالب والمعلم، الأعمالُ المتعلقة بعمليتي التعليم (التدريس) المناطة عادة بالمعلم، أو التعلم، التي يقوم بها المتعلم. يشمل ذلك، لا على سبيل الحصر: للمعلم: فهم موضوع الدرس، التخطيط للتدريس، اختيار أنشطة التعلم، تنفيذ التدريس، أنشطة التقويم.
وللطالب: التحضير للدرس، تسجيل الملاحظات، التلخيص، التأكد من الفهم، تعزيز الفهم، أداء الأنشطة، حل الواجبات (المتطلبات)، تطبيق ما تعلمه الطالب.
وداخل كل خطوة من هذه الخطوات (أو المراحل) عمليات ذات خيارات يصعب حصرها.
وكل خطوة من هذه الخطوات، أو العمليات التي بداخلها، يمكن تنفيذها إما بتقنيات ذكاء اصطناعي عامة، أو تقنيات خاصة بها. فمثلاً قد يقوم المعلم بتنظيم فرص تعلم (أنشطة) باستخدام تقنيات ذكاء اصطناعي عامة، مثل برامج العروض التقديمية، وقد يستخدم تقنية ذكاء مصممة خصيصا لهذه الجزئية. وهذا يرجع إلى خبرة المعلم وإلى قدراته وإمكاناته التقنية، وإبداعه أيضاً.
وأنبه على التفريق بين نوعين من الذكاء الاصطناعي: الذكاء الاصطناعي التقليدي (إن صح الوصف)، والذكاء الاصطناعي التوليدي. فالذكاء الاصطناعي (AI) هو مصطلح شامل للآلات التي تحاكي العقل البشري في المهام، مثل تحليل البيانات. بينما الذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI) هو فرع متقدم منه، وظيفته ابتكار وإنشاء محتوى جديد تماماً (نصوص، صور، صوت) بناءً على ما تعلمه، أي تمت برمجته عليه وزُوّد بالبيانات اللازمة له.
فالذكاء التقليدي يصحح الإملاء (مهمة محددة)، أو (يقارن بين مقالين) مقارنة آلية يحدد الزيادة والنقص، فلا ينتج نصاً ثالثاً. أما الذكاء التوليدي فيكتب قصة تعليمية حول (أهمية الصدق) بأسلوب يناسب طفلاً في الصف الثالث (إبداع محتوى جديد). وقد يقارن بين نصين مقارنة نقدية، فـ(يولّد) نصا نقدياً، جديداً.
فمفهوم الذكاء الاصطناعي مظلة لتلك الأنظمة أو التقنيات التي تهدف إلى محاكاة المهارات الذهنية البشرية في معالجة المعلومات واستيعابها، والتصرف بناء على ذلك. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيمثل قفزة نوعية في هذا المجال، حيث لا يقتصر دوره على التحليل والاستنتاج المباشر فقط، بل يمتد ليشمل القدرة على الابتكار وصياغة محتوى جديد - سواء كان نصاً أو صورة أو نصاً برمجياً - مستفيداً مما اكتسبه من خبرات وبناء على معطيات سابقة.
فالذكاء الاصطناعي يساعد من خلال الآتي:
يراجع الفكرة التي يقترحها المعلم، ويقدم تقويماً لها والذكاء التوليدي يطورها، وربما يقترح أشياء مماثلة، أو أفضل، ويسلك بالفكرة مناحي ربما لم تخطر على باب صاحبها، مثل أن ينشئ صورة، أو يحول الفكرة إلى محاكاة مصورة، أو يقدمها على شكل حوار صوتي، أو خريطة بصرية تفاعلية.
وقد يعطي المعلم الذكاء الاصطناعي التوليدي أهداف المقرر ومادته العلمية، ويزوده بمعايير معينة، فيقوم الذكاء، بصياغة الأهداف وتفصيلها، وتقسيم المنهج واقتراح أنشطة (وتصميمها) واقتراح طرق للتقويم، ويقوم بتصحيح أعمال الطلاب ومشاركاتهم إذا طلب منه ذلك، بناء على معطيات محددة.
يقوم بذلك في وقت قياسي، وبدقة كبيرة. و(إلى حد ما) بموضوعية وبحد أدنى من التحيز، فللذكاء الصناعي تحيزاته أيضاً! فكما أن البشر تدفعهم أهواؤهم وقناعاتهم للتحيز، فخوارزميات الذكاء الصناعي وما يجده من معلومات تقوده أحياناً إلى التحيز، (لأن الخوارزميات والبيانات صنعها بشرٌ لهم تحيزاتهم!).
هناك ممارسات تدريسية كثيرة نمطية، ومملة، وتستهلك وقتاً كبيراً من المعلمين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقوم بها، أو يساعد المعلمين في القيام بها. بل يمكن تدريب الطلاب ليجعلوا الذكاء الاصطناعي يقوم بها نيابة عن المعلم!.
الإشكالية هي أن كثيراً من الناس، وبعض التربويين، لا يفهم من الذكاء الصناعي إلا أحد أمرين:
1 - أنه الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات من خلال (حقل المحادثة) ذلك المستطيل السحري الذي صمم ليشجع المستخدم على المحادثة والتفاعل مع الآلة، ليحصل على إجابات مباشرة وآنيّة.
2 - إنشاء ما يطلبه منه المستخدم من مقال أو بحث أو إجابة عن سؤال أو صورة، ونحو ذلك، وغالباً بسلبية شبه تامة من المستخدم.
هذه النظرة الجزئية، وإن كانت صحيحة إلا أنها قاصرة، وتظلم الذكاء الاصطناعي، وتحد من فائدته. وهي أيضاً تساعد على تضخيم الجانب السلبي من هذا الذكاء، حيث تصوره على أنه ملجأ للكسالى وغير الجادين.
العمل الجاد مع الذكاء الاصطناعي، خاصة في المجال التربوي، (على خلاف ما يتبادر للذهن) عمل يتطلب الكثير من الجهد، والتفكير والإبداع والنقد، والمحاولة والخطأ، ويساعد على تطوير الأداء، وينمي ملَكات الإبداع والنقد والكتابة. بل إن الذكاء الاصطناعي لا تتبين ثمرته إلا مع المستخدم المفكر، ولا يقدم هداياه إلا للمستخدم الجاد، الذي يريد منه أن يكون مساعداً له لا بديلاً عنه.
وقفة: استخدمت (الاصطناعي) بدل (الصناعي)، - رغم عدم قناعتي بكلا الكلمتين! - بناء على ملاحظة بعض القراء الأفاضل على المقال السابق، ولكون اللفظ الأول قد فشا، واستروحت له الآذان! مع أني أفضّل (الذكا) أو (الذكاء الآلي)، أو (الذكالي).
** **
- جامعة الملك سعود