د.عبدالرحمن الحبيب
لا مفر من الجغرافيا، فرغم أن العولمة وانفتاح الأسواق للتجارة حوّلت العالم وكأنه «قرية» مما سهل التبادلات التجارية والوصول إلى كافة الأسواق حسب الاحتياجات الاقتصادية، وبالتالي تراجع الدور الأساسي للجغرافيا، لكن الجغرافيا السياسية تستعيد هيمنتها على طرق التجارة والتبادلات بين دول العالم.
المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول يحلل في مقال إستراتيجي كيف تعيد التوترات الجيوسياسية رسم خريطة أسواق الطاقة العالمية بعدما تزعزعت الثقة في مضيق هرمز، إضافة لصدمة غزو روسيا لأوكرانيا والتزام الاتحاد الأوروبي بالتخلص التدريجي من واردات الغاز الروسي تمامًا قبل نهاية هذا العقد. ووفقاً لمقالته، فقد أصبحت الثقة بالممرات المائية ركيزة أساسية لقطاع الطاقة (فورين بوليسي).
سواء تصاعد الصراع مجدداً أم انتهى نهائياً بين الولايات المتحدة وإيران، فلن يوقف ذلك التغيرات الكبيرة التي يشهدها قطاع الطاقة في أعقاب صدمتين كبيرتين في الإمدادات الدولية، حسب ما توصل إليه بيرول، الذي كتب: «في حواراتي مع قادة الحكومات ورؤساء الشركات، كان الرأي السائد هو أنه لا عودة إلى الوضع الذي كان سائداً قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير. ومهما كانت نتائج النزاع ومفاوضات السلام، فقد رأى العالم الآن أن المضيق يُمكن إغلاقه بين عشية وضحاها. لقد تلاشت الثقة في هذا الممر المائي كطريق تجاري آمن».
يشير بيرول إلى أن الصدمتين الكبيرتين في عامي 2022 و2026 قد شككتا بالفرضية الأساسية للترابط العولمي التي بُني عليها نظام الطاقة الدولي، يقول: «اعتقد الكثيرون منا أن تجارة الطاقة تخضع بالمقام الأول للضرورات الاقتصادية. لكن اليوم، أصبحت تجارة الطاقة والسلع الأخرى أدوات جيوسياسية، تُمثّل ميزة إستراتيجية محتملة للبعض، ونقطة ضعف إستراتيجية محتملة للبعض الآخر».
وبينما لا يُعدّ الربط بين قطاع الطاقة والجيوسياسة أمرًا جديدًا، فإن الجديد هو أننا نشهد اليوم نظام طاقة عالميًا يتأثر بشكل متزايد بالقوى الجيوسياسية، بدلًا من الاعتبارات التجارية والاقتصادية التي كانت سائدة، في العقود الأخيرة، لهذه الصناعة.
سيكون لهذا التحول تداعيات طويلة الأمد، وفقاً لبيرول موضحاً أن ذلك يتطلب قرارات استثمار وشراكات مبنية على رؤية إستراتيجية بعيدة الأجل، وقد يشهد العالم تعزيزًا لبعض الاتجاهات التي بدأت بالفعل؛ ويضرب أمثلة بذلك كالتحول لدى مستوردي الطاقة لصالح مصادر الطاقة المحلية التي تقلل الحاجة لاستيراد الوقود؛ فضلاً لما يحدث بالفعل من استخدام طرق بديلة والبحث عن طرق إضافية للوصول إلى أسواق الطاقة والسلع الأخرى، تتجنب مضيق هرمز. كما يستكشف منتجو النفط في الخليج حلولاً أخرى لتقليل الاعتماد على المضيق، مثل بناء مخزونات نفطية مباشرة في الدول المستوردة.
وحتى خارج الشرق الأوسط، يسعى المنتجون إلى توسيع نطاق وصولهم إلى أسواق أخرى. على سبيل المثال الجهود المتجددة لتطوير البنية التحتية للنفط والغاز الطبيعي المسال في كندا لنقل الموارد إلى آسيا وأوروبا.
هذا التوجه لا يقتصر على النفط والغاز؛ ففي العام الماضي، أظهرت الصين قدرتها على استخدام موقعها المهيمن في توريد العناصر الأرضية النادرة الضرورية لتقنيات الطاقة الرئيسة وغيرها من الصناعات الإستراتيجية، للضغط على اقتصادات معينة.
ثمة وسائل حماية تجعل نظام الطاقة أكثر أمانًا، ولكنها في الوقت نفسه أكثر تكلفة، كما يطرحها بيرول، وأهمها: استحداث مسارات بديلة للوصول إلى الأسواق، تعزيز سلاسل التوريد، خفض معدلات استخدام البنية التحتية الاحتياطية، والاستثمار في المخزونات الإستراتيجية.
يختم بيرول مقاله بأن خريطة الطاقة العالمية تشهد: «إعادة تشكيل في الوقت الراهن. وسيُحدد مدى ثقة كل طرف في الآخر ملامح هذه الخريطة. ومن الواضح أننا جميعًا بدأنا ندفع ثمن العيش في عالم يفتقر إلى الثقة».