د. رانيا القرعاوي
مع اقتراب استضافة المملكة العربية السعودية لكأس العالم 2034، يزداد السؤال الاتصالي حول من سيمثل المملكة أمام العالم؟
فمصر على سبيل المثال مع رحلتها بكأس العالم اختار منتج شيبسي أن يضع صورة ميسي عليه باعتباره واجهة رياضية شهيرة، ولكن مع الأحداث الأخيرة في مباراة منتخب الأرجنتين مع منتخب مصر وما صاحبها من اتهامات للحكم بالتحيز! كان هذا الرمز سببا في مطالبة الشركة بإزالة المنتجات والدعوة لمقاطعتها ووضع صور لنجوم المنتخب المصري لأنها وضعت رمزًا أصبح لا يتلاءم مع ذائقة المصريين. إن اختيار السفراء في الاتصال المؤسسي والدبلوماسية العامة، لا يُبنى على عدد المتابعين وحده، بل على قدرتهم على تجسيد هوية الدولة، ونقل رسالتها، وتعزيز الثقة بها، وتجنب أي مخاطر قد تنعكس على صورتها.
ومنذ أن درست التسويق الدولي في مرحلة الماجستير، كانت قاعدة «المشاهير يبيعون» تُقدَّم باعتبارها إحدى أكثر أدوات الاتصال تأثيرًا. ويكفي أن يظهر لاعب بحجم ليونيل ميسي في حملة إعلانية لمنتج عالمي حتى تحظى العلامة التجارية بانتشار واسع، ويزداد حضورها في أذهان المستهلكين.
لكن عندما ننتقل من تسويق منتج إلى تمثيل وطن، تصبح المعادلة مختلفة تمامًا.
ويختلف اختيار السفراء لمنتج استهلاكي عن حملة وطنية، لأن الدولة فتسعى إلى بناء صورة ذهنية مستقرة، وهنا لا تكفي الشهرة وحدها، بل يصبح الانسجام بين شخصية السفير ورسالة الدولة هو العامل الأكثر أهمية.
وتوصلت دراسة نُشرت في International Journal of Sports Marketing and Sponsorship، إلى أن أكثر العوامل تأثيرًا في تحسين صورة الوجهة أو الدولة هو الموثوقية التي يتمتع بها السفير، حيث إن الجاذبية أو الشهرة وحدهما لا تكفيان لتحقيق الأثر المطلوب.
أن ارتباط العلامات التجارية أو الجهات ولنضرب المثل بوزارة السياحة بشخصيات عامة يحمل قدرًا من المخاطرة، لأن أي أزمة شخصية، أو تصريح مثير للجدل، أو تغير في صورة السفير لدى الجمهور قد ينعكس مباشرة على الجهة التي يمثلها.
وإذا كان هذا الخطر يمكن احتواؤه عند الترويج لمنتج استهلاكي، فإنه يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق بصورة دولة تستضيف أكبر حدث رياضي في العالم. لذلك برأيي إن اختيار سفراء كأس العالم لا ينبغي أن يكون سباقًا نحو الأسماء الأكثر شهرة، بل عملية مدروسة تستند إلى معايير واضحة، من أبرزها السمعة المهنية، والاتساق مع قيم المجتمع السعودي، والقدرة على تمثيل المملكة بثقة ومسؤولية.
وربما يكون من المناسب أيضًا ألا يقتصر مفهوم «السفير» على النجوم العالميين.
فالمملكة تمتلك شخصيات وطنية، رياضية وثقافية وعلمية وإنسانية، قد تكون أقل شهرة عالميًا، لكنها أكثر معرفة بالمجتمع السعودي، وأقدر على نقل قصته، وأقل عرضة للمخاطر المرتبطة بالجدل أو المواقف التي قد تسيء إلى صورة الحدث أو الدولة.
فبناء صورة المملكة لا يجب أن يعتمد على مجموعة محدودة من المشاهير، بل على منظومة متكاملة من السفراء.
فالمتطوع الذي يستقبل الزوار، والمرشد السياحي الذي يروي تاريخ المكان، ورائد الأعمال الذي يعكس روح الابتكار، والرياضي الذي يجسد قيم المنافسة، والفنان الذي يقدم الثقافة السعودية، جميعهم سفراء يصنعون الانطباع الحقيقي عن المملكة.
فالسفير الحقيقي ليس بالضرورة الأكثر متابعة على منصات التواصل، بل الأكثر قدرة على أن يجعل العالم يغادر وهو يحمل صورة صادقة وإيجابية عن المملكة. وهذا هو الإعلام السنع؛ أن نختار من يمثل الوطن بعناية، لأن الصورة الوطنية تُبنى بالثقة قبل أن تُبنى بالشهرة.