د. ابراهيم المشيقح
عندما أحضر الكثير من المجالس العامة والخاصة أو متابعة وسائل التواصل الاجتماعي أقف مشدوهاً من بعض أبناء مجتمعي الذين لا ينزل الجوال من أيديهم من أول حضورهم حتى مغادرتهم، يصورون كل صغيرة وكبيرة وينشرونها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لا يعرفون الخصوصية ولا يأخذون الإذن من أحد، وكأنهم حضروا لكي يصوروا فقط حتى أصبح تفكيرهم بالكامل مشغولاً بالتصوير أو إجراء لقاءات مع عددٍ من الحضور، فأصبح التصوير ظاهرة مهيمنة تهدد الخصوصية الفردية، حيث يفقد الشخص الذي يتم تصويره دون علمه شعوره بالأمان في الأماكن التي كان يعتبرها آمنة، سواء كانت عامة أو خاصة، فقد أصبح الافتتان بتوثيق كل شيء عادة يمارسها كثيرون دون التفكير أحيانًا في حدود الخصوصية أو مشاعر الآخرين.
ما أجمل التبسط والانسجام والتناغم والحب الذي تشعر أنه المسيطر على المكان بعيداً عن المبالغات والتصوير والمديح الذي يقطع عنق أصحابه، روعتنا في بساطتنا وحبنا لبعض لا في نشر صور ومباهاة ومبالغات وعدم احترام للخصوصية، وكأن لدينا عقدة نقص لا تكتمل إلا بتلك المبالغات والتضخيم والتصوير في كل جلسة وركن نجتمع فيه، وفي كل زاوية ورحلة حتى تلاشت خصوصيتنا، فهل أصبحت حياتنا مكشوفة أكثر مما ينبغي؟ أم أن مفهوم الخصوصية نفسه تغيّر مع تطور التكنولوجيا؟
ويبقى السؤال الأهم: هل المجتمع يُدرك خطورة التمادي في ذلك؟ هل لدينا وعي ومعرفة بالأضرار والنتائج غير المحمودة التي تنتج عن تلك العادة غير المحمودة؟
ونحن في مقدورنا أن نتخلص من هذه العادة السالبة، وأسوق لكم نموذجاً في الانفكاك من ظاهرة تصوير كل شيء، فقد سعدت ليلة الأربعاء 23 من شهر الله المحرم لعام 1448هـ بدعوة شخصية كريمة من الأستاذ محمد عبدالعزيز السالم بديوانيته بجدة، (ديوانيه السالم)، التي ضمت عدداً من الشخصيات البارزة من أمراء وأصحاب المعالي ومهندسين ونخب علمية ورجال أعمال، ولن أكتب عن روعة المكان ولا عن كريم أخلاق وتبسّط الحضور وروعة النقاش والحس الوطني الذي يحمله كل واحدٍ من الحضور، ولا عن صاحب الديوانية ورحابة صدره ودماثة أخلاقه، لكني أقف مشدوهاً عند موضوع هواية تصوير في المجالس الخاصة والعامة، فطوال نقاشاتنا وتبادل الحديث مع القهوة والعشاء ولمدة ثلاث ساعات متصلة لم أشاهد أحداً من الحضور أو حتى صاحب المكان والدعوة رفع جواله والتقط صوراً للحضور وللمكان، فالكل كان منشغلاً بالأحاديث الودية، فتذكرت أيام زمان قبل الجوال وقلت في نفسي كم أتمنى أن يستفيد بعضهم من أبناء مجتمعي والذين لا ينزل الجوال من أيديهم من أول حضورهم حتى مغادرتهم، يصورون كل صغيرة وكبيرة وينشروها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أن يستفيدوا من مثل هذه المجالس والندوات، ويعرفون خصوصيات الناس. فما أجمل التبسط والانسجام والتناغم والحب الذي تشعر أنه هو المسيطر على المكان بعيداً عن المبالغات والتصوير والمديح، روعتنا في بساطتنا وحبنا لبعض لا في نشر صور ومباهاة ومبالغات وعدم احترام للخصوصية.
ويبقى السؤال الأهم: هل المجتمع يُدرك خطورة التمادي في ذلك؟ هل لدينا وعي ومعرفة بالأضرار والنتائج غير المحمودة؟
** **
- جامعة القصيم