منصور بن صالح العُمري
لو كان هدوءُ البحر شرطًا لبلوغ المرافئ، لما وصلت سفينةٌ إلى شاطئ، ولما مضى في هذه الحياة نبيٌّ ولا صالحٌ ولا مؤمن.
ولكن الله لم يشأ للدنيا أن تكون دار سكون، وإنما جعلها ميدان ابتلاء؛ تتعاقب فيه الرياح، وتتلاطم الأمواج، ليظهر صدق اليقين، ويتميز من يعبد الله على بصيرة ممن يعبده على حرف.
ولهذا فإن انتظار يومٍ تخلو فيه الحياة من الهموم ضربٌ من ملاحقة السراب؛ فالبحر لن يهدأ، وسنن الله لا تتبدل.
وإنما الشأن كل الشأن أن تتعلم كيف تُبحر إذا اضطرب البحر، وكيف تثبت إذا عصفت الرياح، وكيف يبقى قلبك مطمئنًا بينما يتقلب كل شيء من حولك.
إن الله لم يعد عباده بحياةٍ بلا شدائد، وإنما وعدهم بمعيته إذا أحسنوا التوكل عليه، فقال سبحانه: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)، ووعدهم بسكينةٍ لا تصنعها الظروف، وإنما يفيضها على القلوب التي عرفته حق المعرفة: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).
لذلك كان البحر في القرآن مدرسةً للإيمان؛ فإذا ارتفعت أمواجه، وسقطت من يد الإنسان أسباب القوة، لم يبق في القلب إلا بابٌ واحد، قال تعالى:
(وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ). هناك تتهاوى أوهام الاعتماد على الخلق، ويولد اليقين بأن النجاة لا يصنعها حسن التدبير وحده، وإنما يصنعها لطف المدبر سبحانه.
تأمل سفينة نوح؛ لم تنجُ لأن البحر هدأ، ولا لأن أمواجه انخفضت، وإنما لأنها جرت (بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا)، وكانت (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا). وهكذا كل قلبٍ ألقى زمامه إلى الله؛ قد تعصف به الدنيا، لكنها لا تملكه، وقد تحيط به الفتن، لكنها لا تغرقه.
فلا تُضِع عمرك في الشكوى من الأمواج، ولا في انتظار بحرٍ لا ريح فيه؛ فإنك لن تجده.
وابنِ في قلبك سفينةً من الصبر، وارفع عليها شراع التوكل، واجعل بوصلتها ذكر الله، ثم امضِ واثقًا بربك؛ فإن السفن لا يغرقها الماء الذي يحملها، وإنما يغرقها الماء إذا تسرب إليها.
وكذلك المؤمن؛ لا تضره فتن الدنيا ما دامت خارج قلبه، وإنما يبدأ الغرق حين تدخل إليه فتزاحم يقينه.
سيبقى البحر مضطربًا ما بقيت الدنيا، أما القلب الذي عرف ربه فقد بلغ الميناء قبل أن يبلغ الشاطئ؛ لأنه وجد في جوار الله سكينةً لا تعصف بها الرياح، وأمانًا لا تبلغه الأمواج.