د.عبدالله بن موسى الطاير
لا يحتاج المرء إلى كره إسرائيل حتى يرى حقيقتها، وإنما إلى قدر من الصدق في قراءة ما أنتجه عقد كامل من الإفلات من العقاب. لقد تعاملت إسرائيل مع الدعم الغربي باعتباره حقا مكتسبا ، لا صفقة لها شروطها وحدودها، واستهلكت رصيدها من التعاطف الغربي باستهتار منقطع النظير.
على مدى عقود، أنجزت عبارة «الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط» ما لم تنجزه اتفاقيات وعلاقات سياسية كثيرة، لقد كانت جواز مرور إسرائيل إلى العواصم الغربية، والصيغة التي نقلت مشروعها المختلف عليه، إلى عضوية نادي الدول المتحضرة. فكرة إسرائيل الديموقراطية التي تتفق مع قيم الغرب الليبرو ديموقراطي لم تفقد بعض بريقها، بل ماتت تماما، وحكومة إسرائيل هي التي أطلقت عليها رصاصة الرحمة.
الأدلة على النبذ الذي تعاني منه الدولة العبرية تنثرها، على قارعة السبل، التقارير الباردة لوكالات استطلاع الرأي، فمؤسسة غالوب، التي تقيس اتجاهات الأمريكيين منذ عام 2001م، تقول إن الأمريكيين، ولأول مرة منذ ربع قرن، أصبحوا أكثر تعاطفا مع الفلسطينيين منهم مع الإسرائيليين، بينما يكشف مركز بيو للأبحاث أن 60 % من الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية، مضيفا أنه في 36 دولة شملها استطلاع آخر للمركز، بلغ متوسط أصحاب النظرة السلبية لإسرائيل نحو الثلثين. أما وكالة مورنينغ كونسلت، التي تتبعت صورة إسرائيل في 43 دولة، فوجدت أنها تراجعت في 42 منها، والمسألة ليست دورة أخبار سيئة تمر وتنتهي، وإنما مراجعة حضارية حقيقية.
غزة هي القشة التي قصمت ظهر الغرور، ورفعت الحصانة التي ظنت إسرائيل أنها أبدية؛ فسببها لم يبتعد الغرب عن إسرائيل لمجلاد خلاف مؤقت، وإنما بعد عامين من مشاهدة دولة تمتلك ترسانة نووية، ومقاتلات «إف-35» وذخائر دقيقة، وهي تحوّل شريطا ضيقا من الأرض، ومحاصرا يسكنه مليونا إنسان إلى ركام. شاهد العالم عشرات الآلاف من القتلى، والمنع المتعمد لوصول الغذاء والماء والدواء، وقتل الصحفيين وعمال الإغاثة، وأشلاء أجساد الأطفال الصغيرة التي أصبحت علامة مميزة للعار الذي لحق بهذا العصر.
يروق لإسرائيل ومن بقي من حلفائها أن تحجب الحقيقة خلف ستار «معاداة السامية»، وكأن انتقاد سلوك حكومة وحشية يمكن أن تستره تهمة مبتذلة لقمع الناقدين. نحن أمام دولة علمانية تتخذ قرارات سياسية وعسكرية، وعليها أن تجيب عنها كما تجيب أي دولة أخرى، لا أن تهرب إلى فرية تستخدمها بإفراط ضد محققي الأمم المتحدة، والبرلمانات الأوروبية، بل وضد مواطنين إسرائيليين يعارضون الحكومة، حتى فقدت عبارة «معاداة السامية» كثيرا من قوتها، فاستخدامها درعا ترفع في مواجهة كل نقد جعلها غير قادرة على حماية حاملها.
حتى الفن، نَبَذ إسرائيل، إذ تحولت مسابقة يوروفيجن، وهي مهرجان صاخب وخفيف للأغاني والاستعراض، إلى استفتاء سياسي على انتهاكات إسرائيل. وهددت قنوات وطنية أوروبية كثيرة بالانسحاب من تغطية المسابقة بسبب وجود إسرائيل فيها، وأطلقت الجماهير صيحات الاستهجان في وجه كل مشارك إسرائيلي، وانقسمت أصوات لجان التحكيم والجمهور على خط الصدع نفسه الذي يتظاهر الدبلوماسيون بعدم رؤيته. عندما تصبح إسرائيل غير مرحب بها في مسابقة غنائية، فهذا يعني أن الثقافة قد أصدرت حكمها، ولا عزاء للمجهود السياسي.
الانهيار والنبذ الأكثر دلالة لا يحدث في أوساط اليسار، حيث التعاطف مع الفلسطينيين أكثر احتمالا، وإنما يحدث داخل الإجماع القديم نفسه، ففي الولايات المتحدة، أصبح نقد إسرائيل يصدر عن بيت أبيض جمهوري، بلغة لم تكن الإدارات الأمريكية السابقة تجرؤ على استخدامها، وانفض المحافظون الشباب عن إسرائيل، مما يعني أن الجدار الذي وفر لها حماية من تبعات أفعالها، وكان أحد ثوابت سياسة واشنطن طوال نصف قرن، يتصدع الآن من الجانبين. والتحول الأكبر يجري بين الشباب، فنحن لسنا أمام حالة مزاجية، وإنما أمام محكمة جيل كامل، والأجيال لا تستطيع محو ذاكرتها، ولا تنسى بسهولة صورا بشعة عايشتها آناء الليل وأطراف النهار.
بنت إسرائيل مكانتها الغربية على المقارنة بينها وبين محيطها والتمايز عنه، وقدمت نفسها دولة تحيط بها أنظمة استبدادية، تنشد زوالها، بينما تنفرد هي بإجراء الانتخابات، وحماية الصحافة الحرة، واحترام حكم القانون. الحقيقة التي لطاما تجاهلتها، وأغفلها مؤيدوها في الغرب، أنها دولة مارقة، تتعامل نظامين قانونيين لشعبين يعيشان على الأرض نفسها، تفصل بينهما بجدار عنصري، وتوسع المستوطنات التي يعدها العالم كله غير قانونية، وتحمي جنودها من المساءلة ووزراءها من المحاكم؛ إنها تتنازل بنفسها عن الميزة التي تاجرت بها طويلا.
لقد تغيرت مواقف المجتمعات في أوروبا والولايات المتحدة، بينما لا تزال حكوماتها، المقيدة بالعادات القديمة وعقود السلاح، تسير متخلفة عن شعوبها بخطوات كثيرة. وستكون الفجوة بين ما يدافع عنه القادة وما تؤمن به شعوبهم واحدة من أهم القصص السياسية في السنوات القادمة. إسرائيل لا تخسر مناظرة، وإنما تخسر سمعة، والسمعة، عندما تنفق، تكون من أصعب العملات التي يمكن استعادتها.