إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
إذا كانت العقود السابقة للحركة التشكيلية السعودية قد انشغلت بأسئلة التأسيس والمأسسة وتطوير الأساليب والأدوات، فإن حقبة التسعينيات الميلادية (1990م - 1999م) جاءت بمثابة «الهزة العنيفة» والانعطافة الراديكالية التي أعادت ترتيب الأولويات البصرية والفكرية للمشهد بأكمله. في هذا العقد دخل الفن السعودي طوراً فلسفياً مغايراً فلم يعد النقاش السائد في الأوساط الثقافية يدور حول «كيف نحاكي التراث أو نصور الطبيعة»، إنما تحول إلى تساؤل أعمق يبحث في «ماهية الفن وحدوده وعلاقته بالفراغ والمجتمع».
لقد كان عقد التسعينيات هو زمن «القطع مع التقليد المستقر» وبداية صعود جيل جديد يرفض القيود الأكاديمية الصارمة ويقبع في محترفات يملؤها الشغف بالبحث عن خامات ومواد غير مألوفة، هذا الحراك الصاخب هو ما رصده الناقدون والباحثون بكثير من القراءة التحليلية والتوثيق الرصين في كتبهم المرجعية الأساسية.
وهنا وجب التأكيد والوقوف طويلاً أمام حقيقة تاريخية أننا حين نستعرض هذه المسيرة الحافلة، فإننا نتناول حراكاً جماعياً وتيارات فكرية صاغت وجدان تلك المرحلة وهي في مجملها تظل بمثابة «بعض من كل» و»غيض من فيض»، فالحركة التشكيلية السعودية غنية بمئات المبدعين والمبدعات في كافة أرجاء الوطن الذين لا تسعفنا المساحات الصحفية بحصرهم أو تتبع نتاجهم فرداً فرداً، لكن إسهاماتهم تظل محفورة بمداد من ذهب في ذاكرة اللون وتظل قيمة المنجز الجماعي وعمقه أكبر من أي محاولة للاختزال الفردي.
لم تكن الرياض في التسعينيات مجرد مركز لإدارة الحراك الثقافي وصياغة القرار عبر المؤسسات الرسمية كـرعاية الشباب وجمعية الثقافة والفنون، لكنها تحولت إلى «مطبخ فكري» حقيقي يغلي بالتجارب الحداثية والمفاهيمية. فنانو الرياض في هذا العقد قادوا موجة عاتية نحو التجريد الصرف وتفكيك البناء التقليدي للوحة حيث شهدت محترفات العاصمة صعوداً لافتاً لتجارب هندسية ومعمارية معقدة، تداخل فيها الحرف العربي والزخرفة الإسلامية والشعبية مع التقطيعات الفراغية محولين العمل الفني من مجرد وسيط صباغي إلى بنية مفاهيمية متكاملة تبحث عن الفكرة قبل اللون.
وابتعد الحراك في المنطقة الوسطى بشكل واثق عن النقل الحرفي والتسجيلي للمظاهر التراثية الطينية والبيوت الشعبية القديمة، واتجه نحو تجريد الرمز واستنطاق الفراغ والكتلة بجرأة غير مسبوقة وقد ساهم هذا التحول الفكري في جعل العاصمة منبعاً لتيارات تشكيلية معاصرة واكبت روح العصر وعكست حركة النهضة والتطور الشامل والقفزات العمرانية والاقتصادية الكبرى التي عاصرتها البلاد في تلك الفترة؛ مما جعل اللوحة في الرياض مرآة حقيقية لتحولات الفكر البصري.
عند الحديث عن اللامركزية الفنية في التسعينيات لا يمكن تجاوز «المعجزة التشكيلية» التي شهدها جنوب المملكة، ففي عام 1990م وُلد مشروع ثقافي وحضاري رائد تمثّل في افتتاح «قرية المفتاحة التشكيلية» في أبها برعاية ودعم مباشر من الأمير خالد الفيصل. لم تكن المفتاحة مجرد ترميم لقرية طينية قديمة لكنها تحولت إلى أول مركز ومحترف وطني يضم مراسم حرة مجهزة للفنانين وصالات عرض مستمرة، مما خلق بيئة تفاعلية يومية تلتقي فيها الطبيعة البكر والضباب المعلق بالجبال مع أحدث أدوات التجريب البصري.
من رحم هذه القرية الملهمة وهذا المناخ الخصب تفجر الحراك الجنوبي بشكل منظم ليتوج في عام 1991م بولادة «جماعة درب النجا» في أبها، والتي قادها فنانون أرادوا الذهاب بالهوية البصرية والبيئية لعسير نحو مساحات من التجريب الحداثي المتقدم والمفاهيمية الصادمة التي تعتمد على المادة وتركيبها متجاوزين الانطباعية الكلاسيكية السائدة.
وفي عام 1993م، ظهرت «جماعة عشتروت» بالمنطقة الشرقية، لتقدم رؤية فنية تمتاز ببحث فلسفي ورمزي يغوص في أعماق التاريخ والحضارات القديمة لشرق الجزيرة العربية مستخدمة أساليب تعبيرية وتجريدية معاصرة بالغة التعقيد والعمق، هذا الزخم المتزامن أثبت بوضوح أن أقاليم اللون في المملكة أصبحت تمتلك نضجاً فكرياً وثقافياً يوازي مقدرتها الأدائية والتقنية وصنع حالة من التكامل اللامركزي الذي أثرى التجربة السعودية ككل.
بالتوازي مع الكيانات الرسمية والمجهودات الحكومية، تطلب هذا الانفجار الفني الهائل فضاءات عرض جديدة وصالونات مبتكرة تمنح الفنانين مساحات حرية أوسع للتجريب، والالتقاء اليومي، والمساجلات الفكرية والنقدية التي تصهر التجارب. وكان الحدث الأبرز في المنطقة الغربية هو تأسيس «بيت التشكيليين» في جدة عام 1993م؛ هذا الكيان الحيوي الذي لم يكن مجرد صالة عرض تجارية عابرة، بل تحول سريعاً إلى «برلمان تشكيلي» ملهم، يضج بالحوارات الساخنة والورش الفنية الحية التي جمعت كل الأجيال (من الرواد والمثابرين إلى الجيل الجديد الصاعد)، مما خلق بيئة خصبة لتبادل المعارف والخبرات وتطوير الأدوات.
وفي نفس السياق وبنفس الزخم البصري، برز «غاليري روشان» كواحد من الصروح الفنية الفخمة التي لعبت دوراً محورياً في رفع القيمة السوقية والفكرية للاقتناء الفني في المملكة. فتح هذا الغاليري المجال لعرض تجارب ذات نزوع حداثي ومفاهيمي بحت، مما ساهم بشكل فعال في تشجيع النخب الاقتصادية والمؤسسية والشركات الكبرى على الالتفات للمنتج التشكيلي السعودي ليس فقط كعنصر ديكوري إنما كقيمة حضارية واستثمارية موازية للازدهار الاقتصادي والنهضة الشاملة التي تعيشها البلاد.
لم يكن للمرأة السعودية في عقد التسعينيات أن تظل خلف ستار المشهد أو تكتفي بحضور رمزي بل قادت تحولاً تاريخياً وفكرياً غيّر موازين القوى الفنية في المملكة، وشهدت العاصمة الرياض في أواخر التسعينيات حدثاً مفصلياً غير مسبوق في تاريخ الحراك النسائي تمثّل في إقامة أول معرض نسائي جماعي موسع بالرياض ضم عشرات الأسماء من الفنانات التشكيليات، هذا الحدث لم يكن مجرد صالة عرض تجمع لوحات تقليدية بل كان بمثابة تظاهرة ثقافية وفكرية كبرى أعلنت بشكل رسمي وصاخب عن نضج وتفوق الريشة النسائية في المنطقة الوسطى والمملكة بشكل عام وقدرتها على صياغة مفاهيم بصرية جريئة تتجاوز السائد والمألوف.
من خلال هذا الحراك المبارك دخلت المبدعات غمار التجريب باستخدام الخامات المعاصرة والمواد البيئية التوليفية متمردات على الأطر الهندسية التقليدية والحدود الصارمة للوحة الجدارية. وحظي هذا العطاء المتدفق باهتمام نقدى كبير ودعم لا محدود من المؤسسات الرسمية والخاصة ليثبت للجميع أن عين المرأة الفنانة لم تكن مجرد ناقل للواقع بل كانت شريكاً أساسياً وحيوياً في قراءة تحولات المجتمع ورسم ملامح حداثته وانطلاقه نحو المستقبل سواء في العاصمة أو في مختلف أقاليم المملكة.
السمة الجوهرية والسمة الفلسفية الأبرز التي منحت جيل التسعينيات هويته الخاصة وعلامته الفارقة في التاريخ هي «الثورة على الإطار» والتخلي الشجاع عن اللوحة التقليدية بمفهومها الكلاسيكي (قماش المسند والوزن التقليدي للألوان الزيتية والإكريليك). بدأ فنانو وفنانات هذا الجيل يتجهون بقوة وجرأة نحو «الفن المفاهيمي» (Conceptual Art) و»التجهيز في الفراغ» (Installation). فأصبحت الصالات والمحترفات تستقبل أعمالاً تعتمد على استخدام خامات مستهلكة، ومواد مأخوذة من البيئة اليومية والمؤلفات الجاهزة حيث يتم صهر هذه العناصر المهملة وإعادة تركيبها لتقديم رسائل فكرية واجتماعية وإنسانية وفلسفية عميقة تتجاوز تماماً القيمة الجمالية الصرفة للون والخط.
هذا التحول الجذري أربك القناعات البصرية السائدة لدى الجمهور التقليدي وأثار عواصف من النقاشات والمساجلات الحادة في الصحافة الفنية التي تابعت هذا التحول بكثير من الاهتمام والتحليل وتحول الفن من مادة «للتأمل البصري المريح» إلى مادة «لإثارة الأسئلة وهز القناعات». لقد أسدلت التسعينيات الستار على قرن كامل من المحاولات البصرية في المملكة العربية السعودية لتترك خلفها حركة تشكيلية بالغة النضج متعددة الأذرع والأقاليم تمتلك تاريخها المدون برصانة وصحافتها الرائدة التي أسس لوعيها جيل المثابرين وجماعاتها الممتدة في كل تضاريس الوطن من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، ومع دخول الألفية الجديدة، كان الفن التشكيلي السعودي قد تحول تماماً من ريشة تحاول توثيق ملامح الحياة وتفاصيل البيئة، إلى «مفهوم فكري» يحلل الوجود، ويناقش قضايا الهوية والمعاصرة ويستعد بكل ثقة للتحليق نحو منصات المتاحف العالمية الكبرى والبيناليات الدولية بروح واثقة وطموح وطني لا يحده أفق.
** **
X: AL_KHAFAJII