وائل العتيبي - جدة:
ليست كل المدن تتشابه في علاقتها بالغرباء؛ فثمة مدن تستقبل العابرين ثم تطوي أخبارهم بانتهاء رحلاتهم، وثمة مدن تحفظ أسماءهم وذكراهم بوصفهم جزءًا من تاريخها. وكانت جدة، على امتداد قرون، من هذا النوع الأخير؛ مدينة صنعت مكانتها من انفتاحها على العالم، وأثبتت أن احترام الإنسان لا ينتهي برحيله، بل يمتد إلى حفظ كرامته وذكراه.
ومنذ أن أصبحت بوابة الحرمين الشريفين وميناءً رئيسًا على البحر الأحمر، عبرت إليها آلاف السفن القادمة من الشرق والغرب، واستقبلت تجارًا وبحارة، وقناصل، ورحالة، وأطباء، ومهندسين، وعمالًا من شتى الجنسيات. غير أن بعض هؤلاء لم يُكتب لهم أن يعودوا إلى أوطانهم، فكان الموت أسرع من رحلة العودة.
وهنا يتجلى أحد الجوانب الإنسانية في تاريخ جدة؛ إذ خُصص موقع لدفن غير المسلمين الذين انتهت حياتهم في المدينة، بما يضمن حفظ أسمائهم وتوثيق وجودهم في سجلاتها التاريخية. ومنذ أكثر من خمسة قرون ظل هذا المكان يؤدي رسالته بصمت، ليصبح شاهدًا على واحدة من أعمق صفحات تاريخ جدة الحضاري؛ «مقبرة الخواجات»، أو المقبرة التاريخية لغير المسلمين.
تقع المقبرة في قلب جدة التاريخية، غير بعيد عن الميناء الذي ظل لقرون بوابة الجزيرة العربية إلى العالم. وخلف سورها الحجري تستقر مئات الشواهد الرخامية المكتوبة بلغات متعددة، تحمل أسماء رجال ونساء وأطفال قدموا من قارات مختلفة، لكنهم التقوا جميعًا في نهاية الرحلة. هنا يرقد بحارة لم يعودوا إلى سفنهم، ودبلوماسيون انتهت مهماتهم الأخيرة، وتجار انقطعت بهم الأسفار، وعمال اغتربوا طلبًا للرزق، وأطفال لم تكتمل أعمارهم، وجنود فرقتهم الأوطان وجمعتهم جدة في مثواهم الأخير.
ورغم شيوع تسميتها بـ»المقبرة المسيحية»، فإن هذا الوصف لا يعكس وظيفتها التاريخية بدقة؛ فهي مقبرة لغير المسلمين عمومًا، استقبلت على مر العقود أشخاصًا من ديانات وجنسيات متعددة، لتغدو شاهدًا على تقليد إداري وإنساني يقوم على حفظ هوية المتوفين وتوثيق أماكن دفنهم باحترام.
ويكتنف تاريخ المقبرة قدر من الغموض. ويرى المهندس سامي نوار أن بداياتها قد تعود إلى أوائل القرن السادس عشر، مستندًا إلى عدد من الخرائط والروايات التاريخية. كما تُرجع الروايات المحلية المتوارثة نشأتها إلى أعقاب المواجهات البحرية بين العثمانيين والبرتغاليين في البحر الأحمر، حيث يُرجح أن الموقع خُصص آنذاك لدفن غير المسلمين. في المقابل، تشير دراسات أكاديمية حديثة إلى أن أول الأدلة الوثائقية المؤكدة على تنظيم المقبرة وإدارتها تعود إلى القرن التاسع عشر، بالتزامن مع توسع النشاط التجاري وافتتاح القنصليات الأجنبية في جدة. وبين هذه الروايات، يبقى الثابت أن المقبرة ارتبطت بتاريخ جدة لقرون، وتحولت إلى جزء أصيل من ذاكرتها العمرانية والإنسانية.
ولا تمثل هذه المقبرة مجرد موقع للدفن، بل وثيقة تاريخية تعكس مكانة جدة بوصفها ميناءً عالميًا استقبل شعوبًا وثقافات متعددة عبر العصور. فهي تسجل جانبًا من تاريخ المدينة الإداري والإنساني، وتؤكد أن جدة، وهي تؤدي دورها بوابةً للحرمين الشريفين، احتفظت أيضًا بذاكرة من انتهت رحلتهم على أرضها، ليبقى هذا الموقع شاهدًا على تاريخ مدينة ارتبطت بالعالم واحتفظت بأثر من مروا بها في حياتهم ورحيلهم.
وتؤكد السجلات القنصلية هذه المكانة التاريخية؛ ففي عام 1878 وثّق القنصل البريطاني جيمس زهراب وجود قبور لبريطانيين وفرنسيين ونمساويين ويهود، في شهادة تعكس الطابع الدولي الذي تميزت به جدة قبل ظهور مفهوم العولمة بزمن طويل.
ولا تزال شواهد القبور تروي حتى اليوم قصص أصحابها؛ فمن بينها قبر المستكشف والدبلوماسي الفرنسي شارل كزافييه روشيه ديريكور، المتوفى عام 1854، وقبر لأسترالي يعود إلى عام 1885، وآخر لألماني دُفن عام 1912، إلى جانب قبور تعود إلى الحرب العالمية الثانية، من بينها قبر يُنسب إلى أحد الجنود البريطانيين. كما تضم المقبرة ركنًا خاصًا للأطفال، في مشهد يجسد قسوة الغربة حين تنتهي حياة طفل بعيدًا عن وطنه.
ولم تكن المقبرة يومًا مكانًا منسيًا؛ فمنذ عقود تتناوب عدة قنصليات أجنبية في جدة، من بينها البريطانية والفرنسية والأمريكية والإثيوبية، على الإشراف على صيانتها وتشجيرها وترميم شواهدها، وتوفير حارس دائم لها، بالتنسيق مع الجهات السعودية المختصة. كما شهدت في أواخر تسعينيات القرن الماضي مشروعًا متكاملًا لإعادة تأهيلها، شمل ترميم السور، وتنظيم الممرات، واستبدال عدد من الشواهد القديمة بأخرى رخامية، حفاظًا على هوية الموقع وصونًا لذاكرة من يرقدون فيه.
ولا تزال المقبرة تؤدي دورها حتى اليوم، إذ تستقبل غير المسلمين الذين يتوفون في جدة إذا تعذر نقل جثامينهم إلى بلدانهم، ولا سيما من المقيمين والعمالة الوافدة من آسيا وأفريقيا. وتتم جميع إجراءات الدفن وفق الأنظمة الرسمية، وبالتنسيق بين الجهات السعودية والقنصليات المعنية، بما يضمن حفظ كرامة المتوفى واحترام حقوق ذويه.
وبرز اسم المقبرة عالميًا مجددًا في نوفمبر 2020، بعد الاعتداء الذي استهدف مراسم إحياء ذكرى انتهاء الحرب العالمية الأولى، لتعود إلى واجهة الصحافة الدولية، التي وصفتها بأنها أحد أكثر المواقع التاريخية خصوصية في جدة، وأعادت تسليط الضوء على تاريخها الممتد ودورها الإنساني.
غير أن القيمة الحقيقية لهذا المكان لا تكمن في عدد القبور أو قِدم الشواهد، بل في الرسالة التي يحملها. فـ»مقبرة الخواجات» ليست مجرد مساحة للدفن، بل وثيقة حضارية تروي كيف تعاملت جدة مع الغرباء على امتداد أكثر من خمسة قرون؛ مدينة فتحت أبوابها للقادمين في حياتهم، وحفظت لهم بعد رحيلهم مكانًا يصون ذكراهم ويؤرخ لوجودهم.
وهكذا، لم تكتب جدة تاريخها بالسفن التي رست في موانئها وحدها، ولا بالقوافل التي عبرت أسواقها فحسب، بل أيضًا بما جسدته من قيم إنسانية راسخة؛ إذ ظل اختلاف اللغة أو الجنسية أو الدين دون أن يحول دون صون كرامة الإنسان واحترام ذكراه. ولعل ذلك يمثل أحد الوجوه الحضارية التي ميزت جدة عبر تاريخها؛ مدينة استقبلت العالم، وحين انتهت رحلة بعض الغرباء على أرضها، احتفظت بهم في ذاكرتها كما احتفظت بأثرهم في ترابها.