مبارك بن عوض الدوسري
ليست كل معركة تُخاض ضد التنمية تكون معركة معلنة، فهناك عدو لا يحمل لافتة، ولا يقف أمام المشاريع ليمنعها، لكنه ينجح أحياناً في تعطيلها أو إضعافها؛ إنه الفكر السلبي الذي يتسلل إلى المجالس، ويتنقل بين الأحاديث، ويتغذى على التشكيك، ويعيش على التقليل من جهود الآخرين.
في كل مجتمع يوجد رجال ونساء آمنوا بأن خدمة أوطانهم ومدنهم مسؤولية قبل أن تكون خياراً، فسخروا أوقاتهم، وخبراتهم، وأقلامهم، وعلاقاتهم الاجتماعية لخدمة مجتمعاتهم، دون انتظار مقابل أو منصب أو شهرة؛ وما يدفعهم إلى ذلك هو إيمانهم بأن الأوطان لا تنهض إلا بأبنائها، وأن المبادرات الصغيرة قد تتحول إلى إنجازات كبيرة إذا وجدت من يدعمها.
لكن الطريق إلى العمل العام لا يخلو من عقبة تتكرر في كل زمان ومكان، تتمثل في أولئك الذين لا يصنعون إنجازاً، ولا يشاركون في مشروع، ولا يحملون مبادرة، ومع ذلك يضعون أنفسهم في موقع الحكم على كل من يعمل.
هذه الفئة لا تعيش على صناعة الحلول، وإنما على اصطياد الأخطاء؛ ولو اجتمع لديها نجاحات كثيرة لما رأت منها إلا الهفوة الوحيدة، ولو تحقق إنجاز يخدم المجتمع كله لانشغلت بالبحث عن ثغرة تقلل من قيمته، وكأن الاعتراف بنجاح الآخرين ينتقص من مكانتها.
ومن يتأمل سلوك هذه الشخصيات يجد أنها تتشابه بصورة لافتة؛ فهي كثيرة الشكوى، قليلة المبادرة، سريعة إصدار الأحكام، تقاوم كل جديد، وتتوقع الفشل قبل أن تبدأ الخطوات الأولى.. تنتقد بلا بديل، وترفض بلا مبرر، وتشكك بلا دليل، ثم تغادر المشهد دون أن تقدم فكرة يمكن تنفيذها أو مشروعاً يستحق الالتفاف حوله.
والمؤلم أن هذه السلبية لا تقف عند حدود أصحابها، بل تنتقل إلى غيرهم، خاصة إلى من يفتقدون الثقة أو الخبرة، فيتحول الإحباط إلى ثقافة، والتردد إلى منهج، والخوف من النقد إلى سبب لاغتيال كثير من الأفكار قبل أن ترى النور.
إن الفرق بين الناقد الحقيقي وصاحب السلبية فرق كبير؛ فالناقد المخلص يلفت النظر إلى الخطأ لأنه يريد إصلاحه، ويقترح البديل، ويشارك في تحمل المسؤولية، ويقدر حجم الجهد المبذول حتى وإن اختلف مع بعض تفاصيله؛ أما السلبي فلا يرى إلا النصف الفارغ، ويظن أن كثرة الاعتراض دليل على الوعي، بينما هي في كثير من الأحيان عجز عن المشاركة وصناعة الفارق.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن أصحاب الإنجازات، في مختلف المجالات، لم يسلموا يوماً من سهام هذه الفئة؛ فكل مشروع ناجح تعرض للتشكيك في بدايته، وكل فكرة جديدة ووجهت بالاعتراض، وكل شخصية مؤثرة وجدت من يقلل من أثرها؛ ومع ذلك بقيت الإنجازات، وغابت الأصوات التي كانت تراهن على فشلها.
إن محافظاتنا ومدننا، ومنها وادي الدواسر، تستحق أن تكون بيئة حاضنة للمبادرات، مشجعة للأفكار، داعمة لكل من يعمل بإخلاص؛ فالنجاح لا يتحقق بالإجماع، ولا ينتظر رضا الجميع، وإنما يصنعه أشخاص يؤمنون بأن خدمة المجتمع مسؤولية لا تؤجل بسبب كلمات مثبطة أو آراء متشائمة.
ومن حق كل إنسان أن يبدي رأيه، وأن يختلف مع الآخرين، لكن ليس من حق أحد أن يحول الاختلاف إلى معول هدم، أو النقد إلى وسيلة لإحباط العاملين؛ فالمجتمعات المتقدمة لا تقيس قيمة الإنسان بعدد اعتراضاته، وإنما بما يضيفه من أثر، وما يقدمه من عمل، وما يتركه من بصمة.
وفي النهاية، سيبقى الفرق واضحاً بين من يكتب اسمه في سجل البناء، ومن يكتفي بالوقوف على الرصيف يراقب القوافل وهي تمضي؛ فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين أكثروا من التشكيك، بل يحفظ أسماء الذين غرسوا فكرة، وأطلقوا مبادرة، وخدموا مجتمعهم بإخلاص، لأن الأوطان لا تتقدم بأصوات الإحباط، وإنما بسواعد المخلصين وعقولهم، وبمن يؤمنون أن العمل هو أصدق رد على السلبية، وأن الإنجاز هو اللغة التي تبقى عندما يصمت الجميع.