د. راشد بن عبدالله الحوتان
شهدت الآونة الأخيرة نقاشًا واسعًا حول مستقبل الهايبرماركت، مع تزايد الآراء التي ترى أن هذا النموذج التجاري بدأ يفقد مكانته نتيجة تغير سلوك المستهلك، وانخفاض متوسط قيمة سلة المشتريات، وزيادة الإقبال على المطاعم وتطبيقات التوصيل. ورغم أن هذه العوامل تمثل جزءًا من المشهد، إلا أنني أرى أنها لا تقدم التفسير الكامل لما يحدث في قطاع التجزئة.
فالسؤال الحقيقي ليس: هل تغير المستهلك؟ وإنما: هل تطورت بعض متاجر الهايبرماركت بالسرعة التي تطور بها المستهلك؟
المستهلك السعودي اليوم أكثر وعيًا من أي وقت مضى، وأكثر قدرة على المقارنة بين الأسعار والجودة والخدمة، ولم يعد ولاؤه مبنيًا على اسم المتجر، بل على القيمة التي يحصل عليها وجودة التجربة التي يعيشها في كل زيارة.
ومن خلال تجربتي الشخصية في التسوق في عدد من متاجر الهايبرماركت داخل المملكة، لاحظت أن بعض الأقسام لم تعد ترتقي إلى مستوى توقعات المستهلك. ويبرز ذلك بشكل واضح في قسم الخضار والفواكه، الذي يُعد الواجهة الحقيقية لأي هايبرماركت والانطباع الأول الذي يكوّنه العميل عن المتجر. ففي بعض الفروع التابعة لعدد من سلاسل الهايبرماركت تُعرض أحيانًا منتجات تبدو أقل نضارة، أو تظهر عليها علامات الذبول والجفاف، أو تتراكم عليها الأتربة والغبار، وقد تظهر على بعض الأصناف أعراض إصابات أو تلف نباتي تؤثر في جودتها ومظهرها. وعندما يقترن ذلك بارتفاع الأسعار مقارنة بالأسواق المتخصصة، فمن الطبيعي أن يتجه المستهلك إلى منافذ بيع أخرى تقدم جودة أعلى وقيمة أفضل. ولا يختلف الأمر كثيرًا في قسم اللحوم والدواجن، الذي يُعد من أكثر الأقسام تأثيرًا في قرار الشراء. فمن خلال زياراتي لعدد من المتاجر، لاحظت ارتفاع أسعار بعض منتجات اللحوم، وخاصة الدجاج، مع محدودية الخيارات وقلة تنوع العلامات التجارية والأحجام والمنتجات المتاحة. والمستهلك اليوم لا يبحث عن السعر فقط، بل يبحث عن الجودة والتنوع، وعندما لا يجد ذلك في متجر معين، فلن يتردد في الانتقال إلى منافس آخر.
ومن المبادئ الراسخة في تجارة التجزئة أن السلع الأساسية، مثل الأرز، والدقيق، والزيوت، والسكر، والحليب، والبيض، والدجاج، ينبغي أن تُسعَّر بهوامش ربح منخفضة جدًا، لأنها تمثل المنتجات التي يقارن المستهلك أسعارها بشكل يومي، ومن خلالها يكوّن انطباعه عن مستوى أسعار المتجر بأكمله. فالهدف من هذه السلع ليس تحقيق أعلى هامش ربح، بل جذب العميل إلى المتجر، ليكمل شراء بقية احتياجاته من السلع الأخرى ذات الهوامش الربحية الأعلى. وعندما يشعر المستهلك أن أسعار السلع الأساسية أعلى من المنافسين، فإنه قد يغيّر وجهته بالكامل، حتى وإن كانت بقية المنتجات تقدم بأسعار مناسبة.
ولعل أفضل مثال على نجاح هذه الاستراتيجية هوWalmart، أكبر شركة تجزئة في العالم. فمنذ تأسيسها تبنت الشركة فلسفة تقوم على تحقيق حجم مبيعات مرتفع بهوامش ربح منخفضة، وليس تعظيم الربح من كل سلعة. وقد أدرك مؤسسها سام والتون أن كسب ثقة العميل يبدأ من أسعار السلع الأساسية، وأن العميل الذي يثق في أسعار المتجر سيعود إليه باستمرار ليشتري معظم احتياجاته منه. ولهذا أصبحت سياسة «الأسعار المنخفضة كل يوم» إحدى أهم ركائز نجاح.Walmart
لكن هناك نقطة أكثر أهمية، وهي اختزال الهايبرماركت في بيع المواد الغذائية. فالهايبرماركت في مفهومه العالمي ليس متجرًا للغذاء فقط، بل هو مركز تسوق متكامل يوفر معظم احتياجات الأسرة تحت سقف واحد. فهو يضم الإلكترونيات، والأجهزة المنزلية، والملابس، والأحذية، والأثاث، والأدوات المنزلية، ومستحضرات التجميل، والصيدليات، والألعاب، والقرطاسية، ومستلزمات السيارات، والحدائق، والمنتجات الموسمية، إلى جانب آلاف السلع الأخرى. ولذلك، فإن تقييم مستقبل الهايبرماركت من خلال مبيعات الأغذية وحدها لا يعكس حقيقة هذا النموذج التجاري.
كما أن الطلب على الغذاء في المملكة لا يتراجع، بل يشهد نموًا مستمرًا مدفوعًا بالنمو السكاني، وارتفاع أعداد الزوار والسياح، والنشاط الاقتصادي. فالإنسان لا يتوقف عن استهلاك الغذاء، وإنما قد يغيّر مكان الشراء أو طريقة الاستهلاك. وحتى المطاعم نفسها تعتمد في النهاية على شراء اللحوم، والدواجن، والخضروات، ومنتجات الألبان، والزيوت، وغيرها من المنتجات الغذائية. وبالتالي، فإن أي تراجع في مبيعات بعض المتاجر لا يعني تراجع الطلب على الغذاء، بل قد يعني انتقال المستهلك إلى منافسين يقدمون جودة أفضل أو أسعارًا أكثر تنافسية أو تجربة تسوق أكثر تميزًا.
كما أن انخفاض متوسط قيمة سلة المشتريات لا يمكن اعتباره وحده دليلًا على تراجع نموذج الهايبرماركت. فقد أصبح كثير من المستهلكين يفضلون التسوق عدة مرات خلال الأسبوع بدلًا من القيام بعملية شراء كبيرة مرة واحدة، كما أن انتشار التجارة الإلكترونية جعل المشتريات تتوزع بين أكثر من قناة بيع. وهذا يمثل تغيرًا في طريقة الشراء، وليس انخفاضًا في حجم الطلب.
ورغم المنافسة الشرسة من التجارة الإلكترونية وتطبيقات توصيل الطعام، ما زالت Walmart تحقق نموًا عامًا بعد عام، لأنها لم تعتبر تغير سلوك المستهلك تهديدًا لنموذجها، بل فرصة لإعادة تطويره.
فقد استثمرت في التجارة الإلكترونية، والتوصيل السريع، والاستلام من المتجر، والذكاء الاصطناعي، وتحسين إدارة المخزون، ورفعت جودة تجربة العميل، دون أن تتخلى عن فلسفتها الأساسية القائمة على الأسعار التنافسية.
ومن هنا أعتقد أن كثيرًا من متاجر الهايبرماركت في المملكة لا تزال بحاجة إلى تطوير شامل يواكب ما وصلت إليه سلاسل التجزئة العالمية. فالمنافسة اليوم لا تُحسم بعدد الفروع أو بمساحة المتجر، وإنما بجودة المنتجات، وتنوعها، وتنظيم الأرفف، وسرعة الخدمة، وسهولة التسوق، والتكامل بين الفروع والمنصات الرقمية، والقدرة على جعل زيارة المتجر تجربة ممتعة وليست مجرد عملية شراء.
إن السوق السعودي من أسرع أسواق التجزئة نموًا في المنطقة، والطلب على الغذاء والسلع الاستهلاكية لا يزال في ارتفاع، مما يجعل الحديث عن تراجع نموذج الهايبرماركت ككل استنتاجًا يحتاج إلى قدر من التحفظ. فالسوق ينمو، والفرص تتوسع، لكن المنافسة أصبحت أكثر شراسة، والمستهلك أصبح أكثر وعيًا.
وفي الختام، لا أعتقد أن الهايبرماركت نموذج تجاري يتجه إلى النهاية، بل أعتقد أنه نموذج يحتاج إلى إعادة اكتشاف نفسه. فالشركات التي ستنجح خلال السنوات المقبلة ليست بالضرورة الأكبر مساحة أو الأكثر عددًا، وإنما تلك التي تضع العميل في قلب استراتيجيتها، وتقدم جودة أعلى، وأسعارًا أكثر تنافسية، وتجربة تسوق تضاهي أفضل الممارسات العالمية. فالهايبرماركت لم ينتهِ، ولكن قواعد المنافسة هي التي تغيرت.
** **
وكيل الكلية للتطوير والجودة - كلية علوم الأغذية والزراعة - جامعة الملك سعود