عبدالله صالح المحمود
بعض الأزمات لا تكشف ضعف الجهات عند وقوعها فحسب، بل تكشف ما كان مخفيًا قبلها؛ في طريقة التفكير، ومستوى الاستعداد، والفجوة بين ما نكتبه في الخطط وما نستطيع فعله حين يضيق الوقت.
فالأزمة لا تصنع الخلل من العدم، لكنها تكشفه. وحين تقع، لا تبدأ الجهة من نقطة الصفر، بل تواجه الحدث بما بنته مسبقًا، أو بما ظلت تؤجله حتى باغتها الواقع.
عند كل أزمة تُدار بشكل سيئ، تظهر التفسيرات المعتادة: تأخر في التصريح، ارتباك في القرار، ضعف في التنسيق، أو بطء في الاستجابة. وهذه كلها مظاهر مهمة، لكنها ليست دائمًا أصل المشكلة. فالخلل غالبًا يبدأ قبل ذلك بكثير؛ عندما تُكتب الخطط، وتُعتمد السياسات، وتُحدد الصلاحيات، ثم يُظن أن الجاهزية قد اكتملت لمجرد أن الوثائق أصبحت مرتبة ومعتمدة.
في بيئات العمل، تبدو الصورة من الخارج مطمئنة. هناك أدلة إجراءات، وخطط طوارئ، ومسارات تصعيد، ومسؤوليات موزعة. غير أن الاختبار الحقيقي لا يكون في اكتمال الوثيقة، بل في قدرتها على الصمود تحت الضغط. فحين يتسارع الحدث، وتتداخل الأطراف، وتزداد حساسية القرار، تظهر الفجوة بين ما كُتب على الورق، وما يمكن تطبيقه في الواقع.
هذه الفجوة ليست تقنية فقط، بل ذهنية وتنظيمية قبل كل شيء. فبعض الجهات لا تعاني من غياب الخطط، بل من الوهم المصاحب لوجودها. تظن أنها جاهزة لأنها تملك وثائق معتمدة، بينما الجاهزية الحقيقية لا تُقاس بعدد الملفات، بل بمدى اختبارها، ووضوح أدوارها، وقدرة فرقها على التحرك عندما لا تكون الظروف مثالية.
أخطر ما في وهم الجاهزية أنه لا يُرى إلا بعد فوات الأوان. يبدأ الأمر باطمئنان إداري ناعم، ثم ينكشف فجأة عند أول اختبار جاد. عندها تتحول الخطة من أداة مساندة إلى عبء؛ لأنها لم تُبنَ على سيناريوهات واقعية، ولم تُختبر تحت ضغط حقيقي، ولم يعرف كل طرف بدقة متى يتدخل، ومن يقرر، ومن يتحدث، ومن يتحمل مسؤولية المعلومة والرسالة.
وقد تبدأ الأزمة، في ظاهرها، بتأخر بيان، أو تضارب تصريح، أو غياب متحدث واضح، أو صمت يطول أكثر مما ينبغي. لكن خلف هذه التفاصيل قد تختبئ مشكلة أكبر: جهة لم تدرّب نفسها على السؤال الأصعب قبل الأزمة، واكتفت بسؤال أسهل منه: هل لدينا خطة؟ بينما السؤال الأهم هو: هل تعمل هذه الخطة فعلًا؟
في إدارة الأزمات، هناك مبدأ بسيط ومباشر: لا تختبر خطتك أثناء الأزمة، بل قبلها. ومع ذلك، لا تزال بعض الجهات تتعامل مع تمارين الأزمات بوصفها إجراءً شكليًا، يُنفذ لإثبات الامتثال لا لاكتشاف الخلل. فتأتي التمارين آمنة أكثر مما ينبغي، ومتوقعة أكثر مما ينبغي، ومصممة للنجاح لا للمواجهة. والنتيجة أن الجهة تخرج منها مطمئنة، لا لأنها اكتشفت قوتها، بل لأنها لم تختبر ضعفها بصدق.
وفي جانب لا يقل أهمية، تُقيَّد بعض الفرق بضعف الصلاحيات أو غياب الثقة. يُطلب منها أن تستجيب بسرعة، لكنها لا تُمنح المساحة الكافية للتحرك. وهنا لا يكون الخلل في الأفراد وحدهم، بل في منظومة تطلب سرعة القرار دون أن تمنح أدواته.
في المقابل، الجهات التي تدير الأزمات بكفاءة لا تعتمد على سرعة رد الفعل وحدها، بل على جاهزية ما قبل الحدث. لديها وضوح في الأدوار، ومرونة في القرار، ومسارات تصعيد معروفة، وثقافة تسمح بالإنذار المبكر دون خوف من اللوم. هذه الجهات لا تنتظر الأزمة حتى تبحث عن المتحدث، ولا تنتظر ضغط الرأي العام حتى تصوغ رسالتها، ولا تترك القرار الاتصالي لاجتهاد اللحظة. وتزداد حساسية هذا الأمر في بيئات المشاريع الكبرى، حيث تتعدد الجهات، وتتداخل المسؤوليات، وتتسع دائرة المتابعة العامة. في مثل هذه البيئات، لا يقتصر التحدي على احتواء الحدث، بل يمتد إلى حماية اتساق الرسالة، وتماسك الصورة العامة، ومنع تضخم الأثر خارج نطاقه الطبيعي. فكثير من الأزمات لا تكبر بسبب حجم الحدث فقط، بل بسبب الفراغ الذي يتركه غياب الرسالة الواضحة.
من هنا يبرز الدور الحقيقي للاتصال المؤسسي، لا بوصفه أداة تبرير بعد وقوع الأزمة، بل جزءًا من بنية الوقاية قبلها. فالاتصال المؤسسي الناضج يسهم مبكرًا في قراءة المخاطر، وتحديد أصحاب المصلحة، وتجهيز الرسائل الأساسية، وربط القرار بالمعلومة، والمحتوى بالسياق.
ولا يكتمل هذا الدور دون اتصال استراتيجي واعٍ، يدرك أن الرسالة ليست مجرد تصريح، بل أداة توجيه واحتواء. فالاتصال الاستراتيجي لا ينتظر الحدث ليشرح ما حدث، بل يستعد قبل الحدث ليحافظ على وضوح المعنى عند الاضطراب. إنه لا يدير الكلمات فقط، بل يدير التوقيت، والأولوية، والجمهور، ومسار الرواية.
وعندما يغيب هذا البعد، تتحول الرسائل أثناء الأزمات إلى اجتهادات متفرقة. يتأخر بعضها، ويتضارب بعضها، ويترك بعضها الآخر مساحة واسعة للتأويل. وحينها لا تفقد الجهة السيطرة على الحدث وحده، بل تفقد السيطرة على روايته أيضًا. وفي الأزمات، من يترك فراغًا في الرواية، يمنح الآخرين فرصة لملئه.
ويبقى السؤال الأهم: هل نملك خطط أزمات فعلية، أم نملك وهم الجاهزية؟
هذا السؤال لا يقلل من قيمة التخطيط، بل يعيد التخطيط إلى معناه الحقيقي. فالخطة التي لا تُختبر ليست جاهزية، والسياسة التي لا تُمارس ليست حوكمة، والصلاحية التي لا تُفعّل في الوقت المناسب لا تصنع استجابة. أما الوثيقة التي تُحفظ في الأدراج، ثم يُستدعى عنوانها عند الأزمة، فهي أقرب إلى الطمأنة الإدارية منها إلى الاستعداد الحقيقي.
في بيئة عمل لا تنتظر، لا تُقاس قوة الجهة بما تفعله أثناء الأزمة فقط، بل بما فعلته قبل أن تبدأ. الجاهزية ليست ملفًا معتمدًا، ولا عرضًا تقديميًا مرتبًا، ولا اجتماعًا ينتهي بمحضر مطمئن. الجاهزية الحقيقية أن تختبر الجهة نفسها قبل أن يختبرها الواقع، وأن تراجع خططها قبل أن يراجعها الجمهور، وأن تمنح فرقها القدرة على التحرك قبل أن تطالبها بالإنجاز.
لذلك، فإن إخفاق بعض الأزمات لا يحدث عند وقوعها، بل يبدأ قبل ذلك؛ حين تُكتب الخطط بوصفها متطلبًا شكليًا، وتُعتمد السياسات دون تدريب، وتُوزع الأدوار دون اختبار، ويُظن أن وجود الورق يكفي لمواجهة الواقع.
وهنا يتضح الفرق بين الممارس الحقيقي ومن يكتفي بالمظهر. فالأول يختبر، ويطوّر، ويتعلم، ويواجه نقاط ضعفه بشجاعة. أما الثاني فيكتفي بصياغة تبدو مكتملة، لكنها لا تصمد عند أول اختبار. وبين الاثنين مسافة كاملة تفصل بين الجاهزية الحقيقية… ووهم الجاهزية.