د. ياسين علي محمد عزي
أثار إعلان جامعة جازان مؤخرًا إيقاف القبول في عدد من تخصصات البكالوريوس نقاشًا داخل الأوساط الجامعية، لا لأن الجامعات لا تملك حق مراجعة برامجها وتطويرها، فذلك يدخل في صميم مسؤولياتها المؤسسية، بل لأن القرارات الأكاديمية الكبرى لا تُقرأ من زاوية نتائجها المباشرة فقط، وإنما من زاوية الفلسفة التي تقودها، واللغة التي تشرحها، ومدى اتساقها مع المشروع الوطني الواسع الذي تمضي المملكة في بنائه منذ إطلاق رؤية 2030.
لقد أعادت الرؤية تعريف وظيفة الجامعة السعودية. فلم تعد الجامعة مؤسسة تمنح المؤهلات العلمية فحسب، بل أصبحت شريكًا في بناء الإنسان، وتعزيز التنافسية، وصناعة المعرفة، والإسهام في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن هنا، فإن أي مراجعة للبرامج الأكاديمية ينبغي أن تُقرأ في هذا الإطار الشامل، لا بوصفها إجراءً إداريًا منفصلًا عن المقاصد الكبرى التي تتحرك الدولة في ضوئها.
ولا يختلف اثنان على أن مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل ضرورة وطنية لا يمكن تجاهلها، وأن مراجعة البرامج الأكاديمية ممارسة صحية في الجامعات الرصينة. غير أن السؤال الذي يستحق التأمل ليس في مبدأ التطوير ذاته، بل في الكيفية التي يُفهم بها هذا التطوير. هل المقصود إعادة بناء البرامج بما يجعلها أكثر قدرة على خدمة المجتمع؟ أم أن مفهوم المواءمة قد يُقرأ أحيانًا قراءة تضيق باتساع الرؤية، فتختزل الجامعة في بعدها الوظيفي وحده؟
ولعل أكثر ما استوقف المتابعين لم يكن القرار في حد ذاته، بل اللغة التي قُدّم بها للرأي العام. فقد جاء الإعلان مختصرًا، يؤدي وظيفة الإبلاغ أكثر مما يؤدي وظيفة التفسير. حضرت فيه عبارات مثل «تحديث البرامج الأكاديمية» و«مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل»، وهي عبارات منسجمة مع الخطاب التنموي العام، لكنها لا تكفي وحدها للإجابة عن أسئلة طبيعية يطرحها المجتمع الأكاديمي: لماذا اختيرت هذه التخصصات تحديدًا؟ ما الدراسات التي استند إليها القرار؟ وهل يمثل الإيقاف مرحلة انتقالية تعقبها برامج أكثر حداثة، أم أنه إعادة تشكيل دائمة للخريطة الأكاديمية؟
ولا يُقصد بهذه الأسئلة التشكيك في القرار، وإنما التأكيد على أن القرارات الأكاديمية الكبرى تزداد قوة كلما صاحبتها قراءة تفسيرية توضح فلسفتها وأهدافها وآثارها المستقبلية. فالمؤسسات الحديثة لا تُقاس بقدرتها على اتخاذ القرار فحسب، بل بقدرتها على بناء الثقة حوله، وربطه بسياقه الوطني والمعرفي.
ويزداد هذا السؤال أهمية في حالة جامعة جازان على وجه الخصوص. فبعد إعادة هيكلة عدد من الكليات الجامعية في المحافظات وتحويلها إلى كليات تطبيقية، اتسعت مسؤولية المقر الرئيس في توفير عدد من برامج البكالوريوس الأكاديمية التي تخدم المنطقة. ومن ثم، فإن أي إعادة رسم لخريطة التخصصات لا يقتصر أثرها على الجامعة وحدها، بل يمتد إلى خيارات الطلبة، وإلى الاحتياجات التنموية لمنطقة تشهد تحولات اقتصادية واستثمارية وسياحية متسارعة.
ولهذا، لا يكفي أن يُقال إن القرار ينسجم مع احتياجات سوق العمل، بل تظل الحاجة قائمة إلى بيان يوضح كيف ستُحفظ حاجة المنطقة إلى العلوم الأساسية، واللغة العربية، والصحافة والنشر الإلكتروني، والتصميم الداخلي، وما البدائل التي ستُبنى لتطوير هذه المسارات، بحيث يتحقق التوازن بين متطلبات التنمية ورسالة الجامعة المعرفية.
وفي مثل هذه القضايا، لا يكون الإعلام الجامعي مجرد وسيلة لإعلان القرار، بل يصبح جزءًا من نجاحه. فوظيفته لا تنتهي عند نشر الخبر، وإنما تبدأ من بيان فلسفة القرار، وشرح أبعاده، وربطه بالمشروع الوطني الذي تنتمي إليه الجامعة.
لكن التأمل الأعمق يبدأ حين نعود إلى رؤية المملكة 2030 نفسها. فقراءة وثائقها ومقاصدها الكبرى تكشف أنها لا تنظر إلى التعليم بوصفه قناة لإنتاج الوظائف فحسب، بل بوصفه مشروعًا لبناء الإنسان، وتعزيز الهوية الوطنية، وصناعة المعرفة، ودعم الاقتصاد، والارتقاء بجودة الحياة في إطار واحد. ومن هنا، فإن قيمة أي قرار جامعي لا تُقاس فقط بقدرته على الاستجابة لمتطلبات سوق العمل، وإنما بمدى قدرته على استيعاب هذا الاتساع الذي تتبناه الرؤية.
وفي ضوء ذلك، تبرز أسئلة لا تنطلق من الاعتراض على التطوير، وإنما من الحرص على أن يأتي التطوير أكثر شمولًا واتساقًا مع المشروع الوطني.
من بين التخصصات التي شملها الإيقاف يبرز تخصص اللغة العربية وآدابها. وهنا يفرض الواقع الوطني سؤالًا يستحق التأمل؛ فالدولة منحت العربية خلال السنوات الأخيرة مكانة غير مسبوقة، بدءًا من تأسيس مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، وصولًا إلى اعتماد السياسة الوطنية للغة العربية، التي تنظر إليها بوصفها ركيزة للهوية الوطنية، وأداة للبحث العلمي، وحاضنة للثقافة، وإحدى أدوات القوة الناعمة للمملكة.
ومن ثم، فإن السؤال لا يتعلق ببقاء التخصص أو إيقافه، بل بكيفية ترجمة هذه الأولوية الوطنية داخل المنظومة الجامعية. فإذا كانت الدولة تعمل على توسيع حضور العربية في ميادين المعرفة والتقنية والإعلام، فكيف يمكن أن تتجسد هذه الرؤية في تطوير البرامج الأكاديمية التي تحمل رسالتها؟
ومن زاوية أخرى، تأتي العلوم الأساسية؛ فالرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، والأحياء ليست مجرد تخصصات تقليدية، وإنما تمثل القاعدة التي تقوم عليها الهندسة، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الحيوية، والعلوم الطبية، والصناعات المتقدمة. وكل اقتصاد معرفي يبدأ من علوم أساسية قوية قبل أن يصل إلى التطبيقات المتقدمة.
ولهذا، فإن إعادة النظر في هذه التخصصات قد تكون خطوة تطويرية إذا ارتبطت بإعادة تصميمها، وربطها بالبحث العلمي، والتقنيات الحديثة، والقطاعات الإنتاجية، لا إذا اقتصر النقاش على وجودها أو غيابها.
ويبرز كذلك تخصص التصميم الداخلي، الذي أصبح اليوم جزءًا من المنظومة الاقتصادية المرتبطة بالسياحة والضيافة وجودة الحياة. فالتصميم الداخلي لم يعد يُعنى بالشكل الجمالي وحده، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في تجربة الزائر، وجودة المنشآت السياحية، ودعم الاستدامة البيئية، وبناء الهوية البصرية للمكان. ومع التوسع الكبير الذي تشهده المملكة في المشروعات السياحية، تزداد أهمية هذا التخصص بوصفه أحد روافد الاقتصاد الإبداعي.
أما الصحافة والنشر الإلكتروني، فلا تقل صلته بمستقبل الرؤية أهمية. فالمملكة لا تبني مشاريع تنموية كبرى فحسب، بل تبني أيضًا خطابًا إعلاميًا حديثًا، وصناعة محتوى رقمية، وحضورًا عالميًا يواكب حجم التحولات التي تشهدها. ومن هنا، فإن تطوير هذا التخصص يبدو أكثر انسجامًا مع المرحلة من الاكتفاء بالنظر إليه بمنظار الصحافة التقليدية؛ إذ أصبح الإعلام الرقمي، وصناعة المحتوى، وتحليل البيانات، والمنصات الرقمية، جزءًا أصيلًا من الاقتصاد المعرفي الذي تسعى إليه المملكة.
ومن ثم، فإن السؤال لا يبدو: هل نحتفظ بهذه التخصصات أم لا؟ بل يبدو أقرب إلى سؤال آخر: كيف نعيد بناء هذه البرامج لتصبح أكثر قدرة على خدمة الرؤية، وأكثر اتصالًا بالتحولات التي يشهدها الوطن؟
غير أن جوهر القضية لا يكمن في التخصصات نفسها، وإنما في فلسفة الجامعة التي تقف خلف إعادة تشكيلها. فالجامعة لم تكن يومًا مؤسسة تُقاس قيمتها بعدد الوظائف التي يوفرها خريجوها فحسب، كما أنها ليست مؤسسة معزولة عن التحولات الاقتصادية. لقد نشأت تاريخيًا لتؤدي رسالتين متكاملتين: إنتاج المعرفة التي يحتاجها المجتمع اليوم، وصناعة المعرفة التي سيحتاجها غدًا.
ومن هنا، فإن مواءمة البرامج الأكاديمية مع سوق العمل لا ينبغي أن تُفهم بوصفها علاقة استجابة آنية لمتطلبات السوق، لأن السوق نفسه متغير بطبيعته. فالوظائف التي يطلبها اليوم قد تتبدل بعد سنوات قليلة، بينما تبقى الجامعة مسؤولة عن إعداد الإنسان القادر على التعلم المستمر، وإنتاج المعرفة، والتكيف مع التحولات، وصناعة الفرص الجديدة، لا مجرد الالتحاق بالفرص القائمة.
ولهذا، فإن الجامعات العالمية الكبرى لم تحافظ على مكانتها لأنها أغلقت العلوم التي تراجع الطلب عليها في لحظة زمنية معينة، وإنما لأنها أعادت تطويرها، وربطتها بعلوم أخرى، وفتحت لها مجالات بحثية وتطبيقية جديدة. فالجامعة التي تنجح في إدارة التحول ليست تلك التي تقلص المعرفة، بل التي تعيد إنتاجها في صورة أكثر ارتباطًا بحاجات العصر.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي يمكن استخلاصه من رؤية المملكة 2030. فالرؤية لم تدعُ إلى استبدال المعرفة بالاقتصاد، بل إلى توظيف المعرفة في خدمة الاقتصاد. ولم تجعل الهوية في مواجهة التنمية، بل جعلتهما مسارين متكاملين. كما لم تنظر إلى الثقافة، أو اللغة، أو العلوم، أو الفنون بوصفها أعباءً على التنمية، وإنما باعتبارها جزءًا من القوة الوطنية الشاملة.
ومن هنا، فإن نجاح أي جامعة في مرحلة التحول لا يقاس بعدد البرامج التي أوقفتها، ولا بعدد البرامج التي افتتحتها، وإنما بقدرتها على تقديم رؤية أكاديمية متماسكة تشرح لماذا طُوِّرت بعض البرامج، وكيف أُعيد بناؤها، وما القيمة الجديدة التي ستضيفها للطالب، وللوطن، ولسوق العمل في آن واحد.
ولهذا أيضًا، فإن البيانات الجامعية في مثل هذه اللحظات لا ينبغي أن تكتفي بالإعلان عن القرار، بل أن تقدم للمجتمع الأكاديمي فلسفة القرار، لأن بناء الثقة يبدأ حين يفهم الناس المنهج الذي قاد إليه، لا حين يطّلعون على نتيجته فقط.
إن المؤسسات الأكاديمية الكبرى لا تصنع حضورها بقراراتها وحدها، بل باللغة التي تفسر بها تلك القرارات، وبقدرتها على تحويل كل تحول إداري إلى قصة معرفية يفهمها المجتمع، ويشارك في أهدافها، ويطمئن إلى غاياتها.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
ليست القضية دفاعًا عن تخصص بعينه، ولا اعتراضًا على حق الجامعات في مراجعة برامجها؛ فالتطوير سنة المؤسسات الحية، والجامعات التي لا تراجع نفسها تتراجع تلقائيًا عن أداء رسالتها. غير أن التطوير الحقيقي لا يبدأ بقرار الإيقاف، بل بالرؤية التي تسبقه، والمنهج الذي يقوده، والبدائل التي يبنيها.
فالجامعة ليست محطة عبور إلى الوظيفة فحسب، وليست مؤسسة تقاس قيمتها بعدد الخريجين الذين يلتحقون بسوق العمل في عام أو عامين. إنها عقل المجتمع، وذاكرته، ومختبر مستقبله. فيها تُصنع المعرفة قبل أن تُستثمر، ومنها تبدأ الأفكار قبل أن تتحول إلى سياسات، وفيها يلتقي العلم بالثقافة، والاقتصاد بالهوية، والتنمية بالإنسان.
ولذلك، فإن القيمة الحقيقية لأي قرار أكاديمي لا تكمن في قدرته على الاستجابة لمتطلبات الحاضر وحدها، بل في قدرته على صناعة المستقبل أيضًا. فالجامعة التي تنجح في زمن التحولات ليست تلك التي تستجيب للسوق فقط، بل تلك التي تسهم في تشكيل سوق أكثر معرفة، ومجتمع أكثر وعيًا، واقتصاد أكثر قدرة على الابتكار.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي تؤكد عليه رؤية المملكة 2030. فهي ليست مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل مشروعًا حضاريًا متكاملًا، يجمع بين بناء الإنسان، وتعزيز الهوية الوطنية، وصناعة المعرفة، ورفع تنافسية الاقتصاد، وجودة الحياة في مسار واحد لا يتعارض بعضه مع بعض.
ومن هنا، فكلما اتسعت قراءة الجامعات للرؤية، اتسعت خياراتها في التطوير، وأصبحت أكثر قدرة على تحقيق التوازن بين متطلبات سوق العمل ورسالتها العلمية والثقافية. فالتطوير لا يكتمل بإيقاف برنامج أو افتتاح آخر، وإنما يكتمل حين يكون كل قرار جزءًا من فلسفة أكاديمية واضحة، تنظر إلى الطالب بوصفه مشروع إنسان، وإلى الجامعة بوصفها شريكًا في صناعة مستقبل الوطن.
وعندها فقط، لن يكون السؤال: أيُّ التخصصات أُوقفت؟
بل سيكون السؤال الأهم
كيف نجعل الجامعة، في كل قرار تتخذه، أكثر اقترابًا من الغاية التي أرادتها لها رؤية المملكة 2030: بيتًا للمعرفة، ومحركًا للتنمية، وشريكًا في بناء الإنسان؟