علي حسن حسون
لا يقاس عمر الإنسان بعدد السنوات التي عاشها، وإنما بعدد المرات التي أعاد فيها اكتشاف نفسه.
فالحياة لا تسير في خط مستقيم، ولا تمنح أحداً طريقاً مفروشاً بالورود. إنها سلسلة من المحطات؛ بعضها يمر مرور الكرام، وبعضها يترك في أرواحنا ندوباً لا يمحوها الزمن، لأنها جاءت في صورة ابتلاء أو خسارة أو خيبة أمل أو اختبار قاسٍ. ومع ذلك، تبقى هذه المحطات هي المدرسة الحقيقية التي يتشكل فيها الوعي، وتنضج فيها الشخصية، ويعيد الإنسان من خلالها تعريف نفسه من جديد.
ولعل أعظم ما تمنحه الابتلاءات للإنسان أنها تكسر يقينه الزائف بأنه فهم الحياة بالكامل. فعندما تهتز القناعات، يبدأ العقل بالبحث، ويبدأ القلب بإعادة ترتيب أولوياته، وتولد من رحم المعاناة حكمة لم يكن بالإمكان اكتسابها في أوقات الرخاء.
في كثير من الأحيان، لا يكون مصدر قلقنا هو الحاضر، بل الماضي الذي ما زال يسكننا كأفكار قديمة، وتجارب سابقة، ومفاهيم ترسخت في أذهاننا حتى أصبحت تتحكم في ردود أفعالنا، رغم أن الظروف تبدلت، والأشخاص تغيروا، وحتى نحن لم نعد كما كنا قبل سنوات.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه هو أن يعيش بعقل الأمس في عالم اليوم.
فالإنسان بطبيعته كائن متغير، وما نراه اليوم قد لا يكون هو الحقيقة غداً ولذلك فإن التمسك بالمفاهيم القديمة دون مراجعتها يجعلنا أسرى لصورة لم تعد موجودة إلا في ذاكرتنا.
نمر جميعاً بلحظات نظن فيها أننا بلغنا قمة النجاح أو الاستقرار، ثم لا تلبث الحياة أن تعيد ترتيب المشهد كله. قد نفقد منصباً، أو مالاً، أو علاقة، أو مكانة اجتماعية، فنظن أن النهاية قد حانت، بينما الحقيقة أن الحياة تدعونا فقط إلى مراجعة أنفسنا.
فليس كل سقوط هزيمة، وليس كل خسارة نهاية وأحياناً يكون السقوط بداية لصعود أكثر نضجاً، وتكون الخسارة فرصة لتحرير الإنسان من أوهام المقارنات، ومن التعلق بما لا يدوم، ومن الاعتقاد بأن قيمته تُقاس بما يملك لا بما هو عليه.
ومن أكثر الميادين التي تختبر وعينا هي العلاقات الإنسانية، فكم من علاقة امتدت سنوات طويلة ثم انهارت عند أول خلاف، وكم من علاقة تجاوزت أصعب الظروف لأنها قامت على التفهم قبل الأحكام، وعلى الحوار قبل القطيعة، وعلى منح الفرص قبل إصدار الأحكام النهائية.
فالناس يتغيرون.. وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها.
هناك من تصنعه المسؤولية، وهناك من تهذبه التجارب، وهناك من تغيره الخسائر، وهناك من تعيده الحياة إلى نفسه بعد سنوات من الضياع. ولذلك فإن اختزال الإنسان في موقف واحد، أو خطأ واحد، أو مرحلة واحدة من حياته، هو نوع من الظلم الذي نمارسه دون أن نشعر.
نحن، في كثير من الأحيان، لا نحبس الآخرين داخل أخطائهم، بل نحبسهم داخل الصورة التي رسمناها لهم في عقولنا و نبني لهم صندوقاً ذهنياً، ثم نرفض أن نراهم خارجه مهما تغيروا أو تطوروا، والأسوأ من ذلك أننا نفعل الأمر نفسه مع أنفسنا، فنظل أسرى لأخطائنا القديمة، وكأن الإنسان خُلق ليبقى ثابتاً لا يتبدل.
ومن هنا تأتي قيمة الفرصة الثانية فالفرصة الثانية ليست ضعفاً، وليست تنازلاً عن المبادئ، وليست تبريراً للأخطاء، بل هي تعبير عن نضج الإنسان وإيمانه بأن التغيير ممكن، وأن النفس البشرية لا تبقى على حال واحدة.
إن منح الآخرين فرصة جديدة لا يعني أننا نثق بهم بلا حدود، بل يعني أننا لا نحاكمهم إلى الأبد بسبب نسخة قديمة منهم. والأهم من ذلك أننا نمنح أنفسنا الحق في التغير، وفي مراجعة أفكارنا، وفي الاعتراف بأن بعض قناعاتنا لم تعد صالحة لواقعنا الحالي.
الحياة ليست ساحة للانتصارات الدائمة، ولا ميداناً للهزائم المستمرة، بل هي رحلة طويلة من التعلم وكل منعطف فيها يحمل درساً، وكل أزمة تخفي رسالة، وكل تجربة تترك في داخلنا شيئاً جديداً.
كلما ازداد وعينا، قلّت أحكامنا، واتسعت مساحة تقبلنا للناس، وأصبحنا أكثر قدرة على احتواء الاختلاف، وأقل تمسكاً بالقوالب الجاهزة التي نصنف بها الآخرين.
ولعل أجمل ما نتعلمه مع مرور العمر أن الإنسان لا يحتاج دائماً إلى بداية جديدة، بقدر ما يحتاج إلى نظرة جديدة.
نظرة يرى بها نفسه بعيداً عن أخطاء الأمس، ويرى بها الآخرين بعيداً عن الصور التي احتفظ بها في ذاكرته، ويرى بها الحياة باعتبارها فرصة متجددة للنمو، لا حكماً نهائياً على ما مضى.
فالفرصة الثانية ليست هدية نقدمها للآخرين فحسب، بل هي أعظم هدية نقدمها لأنفسنا.. لأنها تحررنا من سجن الماضي، وتفتح لنا أبواب المستقبل بعقل أكثر اتزاناً، وقلب أكثر رحابة، وروح تؤمن بأن أجمل ما في الإنسان أنه قادر دائماً على أن يصبح أفضل مما كان عليه بالأمس.