مرفت بخاري
ليست الكلمات سواء، فمنها ما نعبر به الحياة، ومنها ما تعبر به الحياة إلينا، كلماتٌ لا تُنطق فحسب، بل تُوقظ في داخلنا أصواتًا، ووجوهًا، وأماكن وأزمنةً ظننا أنها غابت، فإذا بها تعود كاملةً مع أول حرف.
لطالما استوقفتني هذه الظاهرة، حتى بتُّ أتساءل كيف تسكن الذكريات داخل الكلمات؟
فما إن أسمع كلمة «وحشتيني» حتى تستدعي ذاكرتي وحشتيني وجيت اسأل اسأل وأظن اني على بالك بصوت صاحبها، بكل شوق بكل احساس، نعم لقد ارتبط بها حتى غدت الكلمة واللحن شيئًا واحدًا في الذاكرة.
وإذا مرت أمامي كلمة «تخيّل» انفتح باب آخر، تخيل دنيا من غيرك او لحظات من غيرك، وإذا سمعت «طلبتك» سبقني إليها صوتٌ آخر أيضًا، يجبرني أن لا اذكر الماضي ولا انبش ذكرياته، والأمر لا يقف عند الأغنيات، فقد يمتد إلى القصائد والخطب والمواقف التاريخية، حتى إن اسمًا واحدًا قد يوقظ قصيدةً كاملة، أو زمنًا بأكمله.
عندها أدركت أن الكلمات لا تعيش في المعاجم وحدها، بل تعيش فينا، فالمعجم يمنحها معناها اللغوي، أما الحياة فتهبها معناها الإنساني، ولعل هذا ما يفسر اختلاف وقع الكلمة الواحدة بين الناس، فقد يسمعها أحدهم فلا تعني له سوى معناها المباشر، بينما يسمعها آخر فتتدفق إلى ذاكرته أغنية، أو قصيدة، أو وجهٌ غاب، أو موقفٌ لم يغادره قط.
الكلمة واحدة، لكن الذاكرة التي تسكنها ليست واحدة، إن العقل البشري لا يخزن تجاربه في جزرٍ معزولة، بل ينسج بينها روابط دقيقة، فيربط اللفظ بالصوت، والصوت بالمشاعر، والمشاعر بالمشهد، حتى تصبح الكلمة مفتاحًا لذاكرة كاملة، ولهذا يكفي أحيانًا أن تُقال مفردة عابرة، لينفتح أرشيف طويل من الأحاسيس والذكريات.
ومن هنا يبرز سؤال آخر، أكثر عمقًا وإلحاحًا إذا كانت كلمة واحدة تستطيع أن تعيدنا إلى مشهد مضى عليه سنوات، فما المعنى الحقيقي للاستشفاء؟ وما جدوى الجلسات والعلاجات النفسية إذا كان لفظٌ عابر قادرًا على إحياء ما ظنناه قد انتهى؟
وأظن أن الخلل يكمن في تصورنا لمعنى الشفاء، كثيرون يظنون أن التعافي يعني أن تمحى الذكريات، أو أن تفقد الكلمات قدرتها على استدعاء الماضي، لكن الذاكرة لا تعمل بهذه الطريقة، فهي لا تمحو ما عاشته، بل تعيد تنظيمه، فالشفاء الحقيقي ليس أن تختفي الذكرى، وإنما أن يتغير معناها.
ليس أن نتوقف عن التذكر، بل أن نتوقف عن الانكسار كلما تذكرنا، أن يعود المشهد… ولا يعود معه الألم بالهيئة نفسها، أن تبقى الكلمة قادرة على فتح باب الذاكرة، لكنها تعجز عن فتح باب الجرح، وهنا تبدأ المصالحة الحقيقية، لا مع الكلمة، بل مع المشهد الذي منح الكلمة سلطانها علينا.
حين نصالح ماضينا، ونعيد قراءة تجاربنا بوصفها دروسًا لا سجنًا، تتبدل وظيفة الذاكرة نفسها، فما كان يوقظ الوجع، يصبح شاهدًا على النضج، وما كان يربك الروح، يغدو علامةً على المسافة التي قطعناها في رحلة الوعي، لذلك، لست أؤمن أن الإنسان يشفى لأنه نسي، بل لأنه أعاد تفسير ما عاشه، فالنسيان قد يُسكت الذكرى مؤقتًا، أما الفهم فيحررها من الألم.
وهكذا، تبقى الكلمات كما هي، لكننا نحن من نتغير، ويبقى الماضي في مكانه، لكننا لا نبقى في المكان الذي تركنا فيه، وربما لهذا السبب لا تسكن الذكريات داخل الكلمات حقًا، بل تسكن داخلنا نحن، ثم تمنح الكلمات مفاتيح الوصول إليها لكن، بعد كل هذا التأمل، وجدتني أتوقف أمام حقيقة أكثر رهبة.
إذا كانت كلمة واحدة تستطيع أن تعيش في ذاكرة إنسان سنواتٍ طويلة، وتوقظ فيه صوتًا، أو دمعةً، أو ابتسامةً، أو جرحًا ظن أنه اندمل، فكم ينبغي لنا أن نتأنى قبل أن ننطق كلماتنا، إننا نتعامل مع الكلمة على أنها لحظة عابرة، بينما قد تعيش هي عمرًا كاملًا في ذاكرة من يسمعها.
قد ننساها بعد دقائق، بينما يحملها غيرنا سنوات، يعيد سماعها كلما مرّ بموقف يشبهها، أو صادف مفردة تفتح بابها من جديد، ولهذا، فإن أثر الكلمة لا يُقاس بزمن نطقها، بل بزمن بقائها، فكم من كلمة محبة كانت مأوى لقلبٍ أنهكه التعب، وكم من كلمة استهان بها قائلها، تحولت في قلب سامعها إلى ندبةٍ لا ترى، لكنها لا تغيب.
ولعل هذا ما يجعل مسؤولية الكلمة أعظم مما نتصور، فنحن لا نلقي الحروف في الهواء، بل نودعها ذاكرة البشر، وقد لا نملك بعد ذلك حق استعادتها، ولا القدرة على محو الأثر الذي تركته لذلك، ليس حسن الكلام ترفًا لغويًا، ولا رقيًّا في الأسلوب فحسب، بل هو وعيٌ بأن الكلمات قد تعيش بعدنا، وأن بعض العبارات لا تنتهي بانتهاء المجلس، وإنما تبدأ رحلتها الحقيقية حين تستقر في وجدان إنسان.
فاختر كلماتك كما لو أنها ستصبح جزءًا من ذاكرة أحدهم، لأنها، في الغالب، ستفعل وربما لهذا السبب لا ينبغي أن نسأل فقط كيف تسكن الذكريات داخل الكلمات بل ينبغي أن نسأل أنفسنا أيضًا أيُّ ذكرى سنتركها نحن داخل كلماتنا؟
وإذا كانت الكلمات قادرة على هذا الأثر الهائل في النفس الإنسانية، فإن أول ما يستحق أن نخاف عليه هو الكلمات نفسها، أخشى على الكلمات أكثر مما أخشى على الذاكرة.
أخشى على الأبجدية التي شيّدت حضارتنا، وحملت شعرنا، ودوّنت تاريخنا، أن تتبعثر بين مفرداتٍ مبتورة، واختصاراتٍ غامضة، ولغةٍ هجينة لا تنتمي إلى العربية، ولا تستقر في الإنجليزية.
لقد أصبح كثير من الخطاب اليوم يمرّ سريعًا، كأنه كُتب ليُستهلك لا ليبقى، وليُقرأ لا ليُحفظ، وليُنسى لا ليُخلّد.
وما يؤسف له أن الكلمة التي كانت تُنتقى بعناية، وتُصقل كما يُصقل الجوهر، غدت تُستبدل أحيانًا بألفاظٍ مبهمة، أو حروفٍ متكسرة، أو تعبيراتٍ مستعارة فقدت دفءَ اللغة وجمال البيان.
ولعلنا نسينا أن الكلمات ليست أصواتًا عابرة، بل ميراثٌ تتناقله الأرواح قبل الألسنة، فإذا كانت كلمة واحدة قادرة على أن تعيش في ذاكرة إنسان عمرًا كاملًا، أفلا تستحق أن نختارها كما يختار الأديب عنوان كتابه، وكما يختار الشاعر قافيته الأخيرة، إن الأمم لا تحفظها الحجارة وحدها، بل تحفظها أيضًا الكلمات التي بقيت حيّةً بعد أن غاب أصحابها.
فأحسنوا إلى أبجديتكم، فربما كانت الكلمة التي تكتبونها اليوم، هي الذكرى التي سيحملها أحدهم عنكم ما بقي من العمر.