د.عبدالله الفايز
هل كان الملف النووي الإيراني مجرد غطاء لفرضية إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وهل كان البرنامج النووي الإيراني الهدف الحقيقي؟ أم أن الملف النووي الإيراني: الهدف أم الغطاء؟ وما وراء الملف النووي الإيراني: صراع النفوذ وإعادة هندسة الشرق الأوسط. ما سأطرحه في هذا المقال ليس حقيقة تاريخية مثبتة، ولا أدعي امتلاكي لوثائق أو معلومات سرية تؤكد ما سأذكره، وإنما هو تصور ذهني وخيال سياسي ورؤية شخصية أحاول من خلالها تفسير كثير من الأحداث المتشابكة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال العقود الماضية.
قد تكون هذه الرؤية بعيدة عن الواقع، وقد يكون جزء منها صحيحًا أو جميعها خاطئًا، لكنها تمثل محاولة لقراءة الأحداث من زاوية مختلفة عن الروايات الرسمية، انطلاقًا من قناعة بأن السياسة الدولية كثيرًا ما تخفي وراء تصريحاتها المعلنة أهدافًا وإستراتيجيات أكثر تعقيدًا. ومن هذا المنطلق، فإنني لا أستطيع الاقتناع بأن المفاعل النووي الإيراني كان يومًا القضية الحقيقية أو الهدف الأساسي للولايات المتحدة أو إسرائيل والتي قضت على المفاعل النووي العراقي في ساعات، ولا أستطيع أن أقتنع بأن عشرات الاجتماعات والمفاوضات التي امتدت سنوات طويلة كانت تهدف فعلًا إلى إيقاف البرنامج النووي الإيراني. فمن وجهة نظري، يصعب تصور أن دولة بحجم الولايات المتحدة، بما تمتلكه من قدرات استخباراتية وعسكرية وسياسية هائلة، كانت تعتقد أن اتفاقًا مع النظام الإيراني سيكون كافيًا لإنهاء هذا الملف بصورة نهائية، خاصة وأن العلاقات بين الطرفين اتسمت طوال العقود الماضية بانعدام الثقة والتشكيك المتبادل في الالتزام بالاتفاقيات. وهي حقيقة لا تخفى على أحد فإيران لا تحترم اتفاقيات وتنقضها بعد التوقيق وعلى مدى السنوات الماضية. ولا يوثق أو ينتظر منها التقيد بالاتفاقيات فهي تعقد مصالحات مع جيرانها وبعد التوقيع أو الاتفاق بساعات تقصف جيرانها ومواقعهم النفطية، عن طريق الحوثيين وحزب الله.
ولذلك فإن خيالي السياسي يقودني إلى الاعتقاد بأن الملف النووي ربما لم يكن سوى عنوان إعلامي وسياسي يخفي وراءه أهدافًا أخرى أكثر أهمية، وأن سنوات المفاوضات الطويلة لم تكن مضيعة للوقت بقدر ما كانت وسيلة لإدارة الوقت وكسبه حتى تنضج ترتيبات أخرى في المنطقة. وأتخيل أن الولايات المتحدة ربما كانت تبحث عن بديل للنظام القائم أو على الأقل عن بديل للنخبة المسيطرة داخله، دون أن تكرر ما تعتبره خطأً تاريخيًا عندما دعمت الشاه ثم فقدت نفوذها بسقوطه، وفي الوقت نفسه لم تجد في عودة وريث الشاه مشروعًا قادرًا على استعادة الشرعية أو تحقيق مصالحها. ولذلك، فإن المفاوضات، وفق هذا التصور المتخيل، لم تكن تستهدف النجاح بقدر ما كانت وسيلة لإبقاء الأزمة تحت السيطرة ريثما تتبلور ترتيبات جديدة.
وفي هذا الخيال السياسي أيضًا، أتصور أن الولايات المتحدة، منذ عهد الشاه، كانت ترى في إيران أداة مهمة لتحقيق توازنات القوى في المنطقة، وأن دعمها العسكري والاقتصادي الكبير آنذاك لم يكن حبًا في إيران بقدر ما كان جزءًا من إستراتيجية إقليمية أوسع. وبعد سقوط الشاه وقيام الثورة الإسلامية، قد يكون تغيرت الأدوات بينما بقيت بعض المصالح قائمة، وإن اختلفت طبيعة العلاقة وشكلها. وأتخيل أيضًا أن ما ظهر للعالم من عداء مطلق بين الولايات المتحدة وإيران ربما لم يمنع، في بعض المراحل، وجود تقاطعات مصالح أو قنوات اتصال غير مباشرة تخدم أهدافًا مرحلية، وهو أمر شهد التاريخ أمثلة مشابهة له بين خصوم دوليين في ظروف مختلفة، وإن كان هذا لا يعني وجود تحالف دائم أو اتفاق شامل.
ويذهب خيالي إلى أبعد من ذلك حين أتساءل: ماذا لو كانت إعادة تشكيل الشرق الأوسط هي القضية الحقيقية، بينما كان الملف النووي مجرد وسيلة لإدارة الرأي العام الدولي؟ ماذا لو كان الهدف هو إعادة توزيع موازين القوى وإعادة رسم النفوذ بين القوى الإقليمية الكبرى؟ وفي هذا التصور، أرى أن إيران لعبت دورًا محوريًا، سواء بقصد أو دون قصد، في إضعاف عدد من الدول العربية من خلال التمدد في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهو تمدد قد يكون تحقق نتيجة توافقات غير مباشرة أو نتيجة فراغات سياسية وأمنية أوجدتها الحروب، وليس بالضرورة نتيجة مؤامرة متفق عليها. ولكن خيالي يفترض احتمالًا آخر، وهو أن هذا التمدد ربما كان في بدايته مقبولًا لدى بعض القوى الدولية طالما أنه يخدم إعادة تشكيل المنطقة، إلا أنه تحول مع مرور الوقت إلى مصدر قلق عندما بدأت إيران تمتلك نفوذًا يتجاوز الحدود التي كان يُراد لها أن تقف عندها.
وفي هذا السياق، أتخيل أن إسرائيل ربما بدأت تشعر بأن النفوذ الإيراني أصبح ينافس طموحاتها الإقليمية ويقيد حركتها الاستراتيجية، فازدادت ضغوطها على الولايات المتحدة لإعادة احتواء إيران وتقليص نفوذها، ليس فقط بسبب البرنامج النووي، وإنما بسبب تغير ميزان القوى الإقليمي. كما أتخيل أن تركيا كانت بدورها تسعى إلى توسيع نفوذها، مما جعل المنطقة ساحة تنافس بين عدة مشاريع إقليمية، لكل منها رؤيته ومصالحه وطموحاته، بحيث أصبحت التحالفات والخصومات متغيرة وفق المصالح أكثر من ارتباطها بالشعارات المعلنة.
ومن بين الصور التي يرسمها خيالي أيضًا أن الثورة الإيرانية ربما لم تكن مجرد حدث داخلي، بل نقطة تحول استغلتها قوى متعددة، كلٌ بما يخدم مصالحه، وأن إيران بعد الثورة قدمت نفسها باعتبارها قوة ثورية قادرة على تحدي الغرب وإسرائيل، بينما كانت في الواقع تخوض معارك سياسية معقدة تتداخل فيها المصالح والصراعات والرسائل المتبادلة. وربما كانت هذه الصورة، سواء كانت صحيحة أو خاطئة، أحد أسباب اقتناع كثيرين بأن المنطقة كانت تُدار أحيانًا من خلال صراعات محسوبة أكثر من كونها مواجهات وجودية مطلقة. كما يقودني خيالي إلى التساؤل حول مدى حقيقة الصورة التي رُسمت عن القوة العسكرية الإيرانية، وهل كانت بعض جوانبها جزءًا من حرب نفسية وإعلامية أكثر من كونها تعبيرًا دقيقًا عن القدرات الفعلية؟ وهل كان تضخيم هذه الصورة يخدم أهدافًا متعددة، منها تبرير سباقات التسلح، وتعزيز التحالفات، وإعادة تشكيل موازين القوى؟ هذه مجرد أسئلة يطرحها الخيال السياسي، وليست إجابات نهائية. وفي النهاية، فإنني لا أقدم هذه الرؤية باعتبارها تفسيرًا علميًا أو حقيقة تاريخية، وإنما باعتبارها تمرينًا فكريًا يحاول النظر إلى الأحداث من زاوية مختلفة ويفتح ابواب مغلقة كانت مجهولة للبعض.
ويسأل من استفاد من حرب العراق؟ انهيار سوريا؟ إضعاف الجيوش العربية؟ استنزاف إيران؟ سباق التسلح الخليجي؟ بقاء الوجود العسكري الأمريكي؟ تقسيم المنطقة؟ فالسياسة الدولية بطبيعتها معقدة، وما يظهر للعلن ليس دائمًا كل ما يجري خلف الكواليس، «وما كل ما يعرف يقال». أن ما سبق يظل مجرد تصور ذهني وخيال سياسي شخصي، غايته إثارة التفكير والنقاش حول طبيعة الصراعات في الشرق الأوسط وإمكانية وجود تفسيرات مختلفة للأحداث التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية. ثم اترك للقارئ مساحة للتفكير.