صالح الشادي
ليس الصبر مجرد انتظارٍ ثقيلٍ يثقل الروح، ولا وقوفاً مذلولاً أمام عواصف القدر، بل هو في حقيقته العميقة فنٌ نبيلٌ يتقنه العظماء، ورياضةٌ روحيةٌ تمارسها النفوس الكبيرة حين تضيق بها الأرض بما رحبت، إنه ذلك الجسر الخفي الذي يعبر عليه الإنسان من وطأة الجرح إلى أفق الغفران، ومن ضيق الأنين إلى سعة الرضا.
وإذا تأملنا نهاية هذا الطريق الشاق، أدركنا أنها ليست توقفاً أو انكساراً، بل هي تحولٌ كيميائيٌّ في أعماق الروح، تأتي في اللحظة التي يتحول فيها الألم إلى حكمة، والجرح إلى ندبةٍ تروي حكاية انتصار؛ إنها ليست مكافأةً خارجيةً بقدر ما هي يقينٌ داخليٌّ بأن ما مرَّ كان ضرورياً لنضجك، وأنك لو عدت بالزمن لما اخترت طريقاً غير الذي سلكت.
وفي محيط هذا الصبر ينبثق الحلم، ذلك النهر الهادئ الذي يجري في صمت، يحمل في طياته عظمة الاحتمال وجمال التسامح، وهو ليس ضعفاً كما يظن الجهلة، بل هو قوةٌ هائلةٌ تكمن في القدرة على احتواء الآخرين مع اختلافهم، واستيعاب الزلات مع تكرارها، والقدرة على رؤية ما وراء الأفعال، وفهم أن كل إنسان يحمل جراحه الخاصة التي قد تجعله يتعثر.
غير أن للحليم غضباً، ونِعْمَ الغضب، فهو غضبٌ مختلف لا يثور لأتفه الأسباب ولا ينفجر على أول زلة، بل يشبه البركان الذي ينام آلاف السنين، لكنه حين يستفيق يكون زلزالاً لا يُطاق، يحمل في طياته كل السنوات التي صبر فيها وكل الجروح التي احتواها، وحين يغضب الحليم إنما يغضب لأنه أدرك أن هناك حدوداً لا تُتجاوز، وأن للحلم أسواراً لا ينبغي هدمها، ليكون غضبه تأكيداً على كرامته التي ظن الناس أنها تهاون، لا انتقاماً صغيراً.
وما الندم في هذا الموكب الإنساني إلا مرآة معكوسة نطل منها على أخطائنا، نراها مكبرة، ونجد فيها من العبر ما يجعلنا نبكي على أوقاتٍ ضاعت وعلى كلماتٍ ندمنا عليها، إنه ألمٌ نافع، ورحمةٌ تتخفى في ثياب الألم، تذكرنا بأننا بشر وأن الخطأ جزءٌ من رحلتنا، وأكثر الندم إيلاماً هو ذاك الذي يأتي بعد فوات الأوان، حين ندرك أننا كنا نملك من القوة ما يكفي لنكون أفضل لكننا اخترنا الضعف أو التسرع، فيعلّمنا أن نعيش حياتنا وكأن كل لحظة هي الأخيرة، وأن نكون صادقين مع أنفسنا قبل الآخرين، حملاً له كدرسٍ نحمله نحو المستقبل كي لا نكرر أخطاءنا، وإدراكاً بأن الحياة قصيرةٌ جداً على أن تضيع في الحقد أو التردد. وفي النهاية، يبقى الصبر والحلم والندم محطاتٍ متصلة في رحلة الإنسان نحو فهم ذاته؛ الأول يُعلِّمه التحمل، والثاني يُعلِّمه التسامح، والثالث يُعلِّمه التصحيح، وكلها تنتهي إلى نقطةٍ واحدةٍ جوهرية:
أن نكون أكثر إنسانيةً مما كنا، وأقرب إلى أنفسنا مما ظننا، وأن نخرج من رحم المعاناة أكثر اكتمالاً، لا أكثر تشققاً.