الهادي التليلي
صناعة المعلومة بمختلف أشكالها ونماذجها شكلت مجتمعا استهلاكيا بامتياز تحول فيه الفرد من مركز لهذا العالم إلى مادة اتصالية ورقم من معادلات شبكات اتصالية لامحدودة..
عالم المعلومة عندما يخرج عن سيطرة وسائل الإعلام الكلاسيكية ويتحول كل فرد إلى منتج لها عبر وسائل وشبكات التواصل الاجتماعي وغيرها يتكسر مفهوم الحقيقة ونصبح أمام مفهوم طرحه ميشال فوكو في حديثه عن السلطة ألا وهو ميكروفيزيا السلطة نعم لو استعرنا العبارة نحن أمام ميكروفيزيا الإعلام.
ولعل الحديث عن عصر الإنفوميديا INFOMEDIA AGE يحملنا مباشرة إلى اللحظة الإيبستيمية التي تشابكت فيها العلاقة بين المعلومة مع وسائل الإعلام وسائر التقنيات والوسائل الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي وغيرها بحيث يكون كل فرد قادر على إنتاج المادة الاتصالية كما أنه في نفس الوقت يمكن أن يكون مادة وموضوعا لها إنها متاهة الفرد في غابة المعلومة.
في هذا المشهد السوريالي الذي تتقاطع فيه الشبكات والخوارزميات والوسائل والتقنيات والفاعلين بشتى أصنافهم من كيانات وأفراد ومصالح سيادية وفردية وإلى غير ذلك يستوقفنا سؤال جوهري يتكرر باستمرار ألا وهو: ما موقع الفضائيات من هذا المشهد هل ستتحلل الفضائيات وتغلق أبوابها مثلما حصل لبعض مئات الصحف في العالم في السنوات الأخيرة وتتحول إلى مساحات إلكترونية؟
هل ستغلق مصانع إنتاج المعدات والتجهيزات المؤثثة للأستيودهات بدورها خطوط إنتاجها هل ستتخلى بعض الدول والكيانات المؤثرة على دعم الفضائيات على اعتبار انحسار جدواها مقارنة بتأثير السوشيال ميديا وغيرها من وسائل التأثير.
العالم يتحرك بسرعة جنونية قاسية والفضائيات تحاول مواكبة هذه المتغيرات لكن دون جدوى واضحة الفضائيات في كل أنحاء المعمورة بقي بعضها ونعني به الإعلام المردوخي يجتر في إرثه المالي القديم وسوقه التي رسخها منذ عقود ففوكس نيوز وفوكس كوربورايشن والتي تتبع بعض لو كانت أحدثت الآن لكانت فاشلة قبل بدايتها، ولعل الهزات التي مرت بها سكاي نيوز وأوستراليا أكبر دليل أن الحضور ليس وليد نجاحات بقدر ما هو الانخراط في منظومة آمنة.
والإعلام البلومبرغي الذي يملكه الملياردير مايكل بلومبرغ لو لم يكن له الإرث المالي ما كان ليصمد أمام المتغيرات الذي تهدده.
وحتى الـ سي إن إن CNN تحركت ملكيتها من تيد تيرنر إلى وارنر بوس ومنها إلى شركة مساهمة نتيجة تحولات اقتصادية لم تستطع فعلا الصمود أمامها الكيانات المؤسسة.
وحتى CNBC لو لم شركة COMCAST العملاقة لعدت من غبار التاريخ الإعلامي.
الإعلام المرئي وتحديدا الفضائيات في ذاتها لم تعد حصان طروادة الاستثماري بل أحيانا عبئا على المستثمرين ولو انخراطه في سياق تأثير ومصالح سياديا أحيانا ما كان لها لتبقى أو تستمر كبعض الحوانيت التلفزية التي تتعايش مع الزمن وتقتات من الأحداث في صراع ضد الفناء.
هذا في ما يخص الفضائيات التي تستند على ملاءات مالية وأيضا هناك قطاع بقي تحت حماية دول بشكل مباشر ومن ذلك الBBC والمملوكة مباشرة للمملكة المتحدة ولسان حالها وfrance 24للحكومة الفرنسية والـCGTN مملوكة للصين وRTمملوكة لروسيا والجزيرة مملوكة لقطر.
ولولا أن هذه الفضائيات تعتبر جزءا من الخيارات السيادية للكيانات التي تمتلكها لما تحقق لها استمرار في الوجود بنفس القيمة والتأثير لأن الاستثمار في القطاع الإعلامي المرئي لم يعد مربحا والجدوى المالية سالبة.
الإعلام المرئي لم يعد جارفا للمستشهرين لأن السياق الذي يسير به المشهد المرئي والإعلامي خذله السوق والتطور في الوسائل الحديثة والتي تحولت إلى بدائل استثمارية مجدية، كما أن الفضائيات لم تفكر في بدائل تمويلية فعالة تمكنها من الوصول إلى الاكتفاء الذاتي وتسمح لها بالتعويل على النفس وفرض رسالتها الإعلامية.
وحتى الفضائيات التي تقتات من الرياضة انحسرت الجدوى في عدد جد محدود بحكم التنافس على حقوق البث ومحدودية المحافل الرياضية ولو لا أنها تخضع لنفوذ بعض الدول والكيانات لاندثرت بدورها.
الفضائيات في كل انحاء المعمورة تشهد تحديات وجودية، وحتى التي تسندها شركات عملاقة ودول بقيت خارج رسالتها الإعلامية وميثاق شرفها، بل هي مجرد أبواق إعلامية للكيانات التي تملكها.
في حين نجوم وإعلاميو السوشيال ميديا تحول بعضهم إلى قائمة أثرى أثرياء العالم.