حذامي محجوب
في إحدى المناسبات التي جمعت ضيوفا من تونس والمملكة العربية السعودية الشقيقة، وقع مشهد صغير لا يكاد يهتم أو يلتفت إليه أحد.
فرغ ضيف تونسي من فنجان القهوة، فمدّه إلى مضيفه طالبا المزيد، كما اعتاد في بلاده. أما المضيف السعودي، فظل ينتظر تلك الحركة الهادئة التي تعني، في تقاليد الجزيرة العربية، الاكتفاء: هزّ الفنجان.
ثوان قليلة مرت، ثم أدرك الجميع أن ما حدث لم يكن سوء فهم بين شخصين، بل لقاء بين ثقافتين.
ارتسمت الابتسامات، وتعالت الضحكات، وانتهت الحكاية كما تنتهي الطرائف الجميلة.
غير أن بعض الحكايا لا تكون نهايتها عندما يضحك الناس... بل تبدأ تحديداً عند تلك اللحظة.
ذلك الفنجان الصغير فتح بابا واسعا للتأمل في سؤال قديم يتجدد مع كل لقاء بين البشر: أين تكمن القوة الحقيقية للأمم؟ أفي الجيوش والأساطيل والحدود، أم في الرموز التي يبتكرها الإنسان دون أن يدرك أنه يصنع بها جزءًا من شخصيته وهويته؟
وهل تبدأ الدبلوماسية عند توقيع الاتفاقات، أم عند القدرة على فهم معنى حركة يد، أو طريقة تقديم القهوة، أو لحظة صمت تختصر تاريخا طويلا من القيم والعادات والتقاليد؟
اعتدنا أن نقرأ الجغرافيا السياسية من أعلى. من خطوط وخرائط النفوذ، وتحالفات الدول، وإمدادات الطاقة، والممرات البحرية، وموازين الردع.
لكننا نادراً ما ننظر إليها من الأسفل، من تلك تفاصيل الحياة اليومية التي تبدو هامشية، بينما هي في حقيقتها الأساس الصامت الذي تقوم عليه العلاقات الإنسانية.
فالخرائط ترسم الحدود، أما الثقافة فترسم جسور العبور بينها.
لعل ما أدركه ابن خلدون قبل ستة قرون لا يزال صالحا لفهم عالم اليوم.
فالعمران، في نظره، لا يقوم بالحجارة وحدها، وإنما يقوم أيضا بـ»العوائد»، ذلك النظام غير المرئي الذي ينظم حياة الجماعة ويمنحها شخصيتها واستمرارها.
ولو شهد مجلسا جمع تونسيا وسعوديا حول فنجان قهوة، لربما رأى فيه دليلا جديدا على أن الأمم تُعرف بطقوسها كما تُعرف بتاريخها، وأن التفاصيل الصغيرة قد تحمل أحياناً من المعاني ما قد لا تحمله الوقائع الكبرى.
جاء بعد ذلك عالم الاجتماع الفرنسي «بيير بورديو» ليمنح هذه الفكرة بعدا آخر حين تحدث عن «الرأسمال الرمزي».
فالأمم لا تتبادل الأموال والمصالح وحدها، بل تتبادل الاعتراف والهيبة والمكانة والمشروعية. والرموز هي العملة الأكثر تداولا في هذا السوق غير المرئي.
طريقة المصافحة، وأسلوب الجلوس، وترتيب المقاعد، واختيار الكلمات، وكيف يتم تقديم القهوة... ليست مجرد تفاصيل بروتوكولية عابرة، بل لغة كاملة للسلطة والاحترام والانتماء.
أما عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي «إدوارد هول» فقد وصف الثقافة بأنها «اللغة الصامتة».
فالإنسان لا يتحدث بما ينطق به فقط، بل بما يتركه بين الكلمات أيضا.
المسافة التي يقفها عن الآخر، ومدة النظر في عينيه، وإيقاع الصمت، ونبرة الصوت، حتى الطريقة التي يمسك بها فنجان القهوة... كلها رسائل قد تكون أبلغ من البيانات الرسمية والخطب السياسية.
من هنا نفهم لماذا أصبحت الدبلوماسية الثقافية أحد أهم ميادين التنافس في القرن الحادي والعشرين.
فالعالم لم يعد يُدار بالقوة الصلبة وحدها، بل أيضا بما سماه جوزيف ناي «القوة الناعمة»، تلك القوة التي لا تفرض الاحترام بالقسر، وإنما تستدعيه بالإعجاب.
إنها النفوذ الذي يولد من الثقافة، والتعليم، والفنون، واللغة، والمطبخ، والضيافة، وكل ما يجعل صورة الوطن تسكن القلوب قبل أن تدخل الوثائق.
وفي هذا السياق، تقدم المملكة العربية السعودية نموذجا لافتا في توظيف التراث بوصفه قوة ناعمة.
فهي لا تقدم نفسها باعتبارها دولة ذات ثقل سياسي واقتصادي فحسب، بل باعتبارها أيضا حاضنة لإرث ثقافي متجدد، من القهوة السعودية التي أصبحت رمزا للهوية والكرم، إلى المجالس، والحرف التقليدية، والفنون، والمهرجانات، في إطار رؤية تدرك أن المكانة الدولية لا تُبنى بالأرقام وحدها، بل كذلك بالرموز التي تمنح الدولة شخصية متفردة في الوعي العالمي.
وفي المقابل، تمتلك تونس هي الأخرى رأسمالا ثقافيا لا يقل ثراء. فهي ليست مجرد مساحة على ضفاف المتوسط، بل ذاكرة حضارية تراكمت عبر آلاف السنين، حيث يتجاور الزيتون مع الياسمين، والقيروان مع قرطاج، والمالوف مع الشعر، والقهوة مع ذلك الحوار التونسي الطويل الذي لا ينتهي إلا ليولد من جديد.
وحين يجلس التونسي والسعودي حول فنجان قهوة، فإنهما لا يلتقيان بوصفهما ممثلين لدولتين فقط، بل حاملين لذاكرتين ثقافيتين عريقتين.
قد تختلف الإشارات والطقوس، لكنهما تتفقان في الجوهر، جوهر الكرم، واحترام الضيف، والاعتزاز بالهوية.
وعندها يصبح الاختلاف مصدرا للمعرفة لا سببا للالتباس، وجسرا للتقارب لا حاجزا للتباعد.
ولعل التاريخ نفسه يقدم الدرس ذاته.
فقد خسرت إمبراطوريات عظيمة مكانتها وهي التي امتلكت القوة، لكنها افتقدت الفضول.
ظنت أن السيطرة على الأرض تكفي للسيطرة على الإنسان، وأن احتلال المدن يعني احتلال الأرواح.
لكنها اكتشفت متأخرة أن الثقافة أكثر صلابة من الجغرافيا، وأن العادات الصغيرة أشد مقاومة من الأسوار، وأن الهوية تختبئ في تلك التفاصيل الصغيرة، في أغنية تتوارثها الأجيال، وفي رائحة خبز، وفي طريقة استقبال الضيف، وفي فنجان قهوة يدور بين الأيدي.
لذلك، فإن الدبلوماسي الحقيقي ليس فقط من يحفظ مواد معاهدة فيينا وتفاصيلها، بل من يقرأ ما بين السطور قبل أن يقرأ النصوص والفصول. هو من يفهم لغة المكان قبل أن يتحدث، ويحترم رموزه قبل أن يعرض مواقفه، ويوقن أن الثقة لا تُوقَّع بالحبر وحده، وإنما تُبنى حين يشعر الآخر بأن عالمه قد فُهم واحْتُرم.
إن عالمنا اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المؤتمرات بقدر ما يحتاج إلى مزيد من المعرفة المتبادلة. فكم من حرب بدأت لأن ثقافة أخطأت في قراءة ثقافة أخرى، وكم من سلام وُلد حين اكتشف الناس أن وراء كل عادة قصة، ووراء كل رمز تاريخا، ووراء كل طقس إنسانا يشبهنا أكثر مما نتصور.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد ذلك المشهد الذي بدأ بفنجان قهوة يبدو لي مجرد طرفة بروتوكولية. لقد تحول إلى درس بليغ في الجيو - سياسة، ومحاضرة في الأنثروبولوجيا، وتأمل عميق في الدبلوماسية الثقافية.
فالنفوذ لا يُرسم كله على الخرائط، ولا تُقاس مكانة الأمم بما تملكه من أرض وسلاح فقط.
ثمة خرائط أخرى لا يراها الجغرافيون...
إنها خرائط تسكن الروح والذاكرة، وترسمها العادات والتقاليد، وتحفظها القلوب.
وهناك... على حافة فنجان قهوة، تبدأ أحيانا الحكاية التي تعجز الخرائط كلها عن رواية تفاصيلها.