د.شريف بن محمد الأتربي
ليس غريبًا أن ينجذب الناس إلى الحكايات التي تبدو أكبر من المصادفة. ففي كل مرة يقع حدث عالمي لافت، يعود اسم مسلسل «ذا سيمبسون» إلى الواجهة، مصحوبًا بصورة أو مقطع قصير أو تعليق يؤكد أن العمل الكرتوني الشهير «تنبأ» بما حدث قبل سنوات طويلة.
هذه الرواية جذابة، بلا شك. فهي تمنح الواقع طابعًا غامضًا، وتحول المشاهدة التلفزيونية العادية إلى ما يشبه الرسالة السرية القادمة من المستقبل. لكن جاذبية الحكاية لا تجعلها صحيحة، والدهشة لا تصلح وحدها دليلًا.
ما يحدث في ظاهرة «نبوءات سيمبسون» ليس سرًا خارقًا بقدر ما هو مزيج من ثلاثة عناصر: كثافة الإنتاج، وانتقائية الذاكرة، وسرعة تداول المحتوى خارج سياقه. فمنذ بدأ عرض المسلسل في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، أنتج مئات الحلقات وآلاف المشاهد الساخرة التي تناولت السياسة، والتقنية، والإعلام، والمجتمع. ومع هذا الكم الهائل من التخيلات، يصبح من الطبيعي أن يقترب بعضها، جزئيًا أو شكليًا، من أحداث تقع لاحقًا.
لو كتب مؤلف ألف سيناريو عن المستقبل، ثم تحقق عدد محدود منها بعد سنوات، فلن يكون ذلك دليلًا على علم غيبي، بل نتيجة متوقعة لاتساع الاحتمالات. المشكلة أننا لا نتذكر السيناريوهات التي أخطأت، ولا المقاطع التي لم تلامس الواقع، بل نحتفظ فقط بما أدهشنا، ثم نعيد بناء القصة وكأنها كانت دقيقة منذ البداية.
هنا تتدخل الذاكرة الانتقائية. فهي لا تعمل كأرشيف محايد، بل كراوٍ يختار ما يناسب الحكاية. نتذكر المشهد الذي صادف حدثًا واقعيًا، وننسى عشرات المشاهد التي ذهبت في اتجاه آخر. وبذلك تبدو المصادفات القليلة وكأنها نمط ثابت، وتتحول اللقطة العابرة إلى «دليل» متداول.
ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن طبيعة وسائل التواصل الاجتماعي. فالمقطع المثير ينتشر أسرع من التصحيح، والصورة المجتزأة أكثر جاذبية من السياق الكامل. وفي كثير من الحالات، لا يرى المتلقي المشهد كما عُرض أول مرة، بل كما أعيد تدويره وتحريره وترجمته ليبدو أكثر تطابقًا مع الحدث الراهن.
والأقرب إلى العقل أن كتّاب المسلسل لم يكونوا عرّافين، بل صناع محتوى بارعين يراقبون العالم بذكاء ساخر. لقد التقطوا اتجاهات سياسية وتقنية واجتماعية كانت موجودة بالفعل، ثم دفعوها فنيًا إلى نهايات مبالغ فيها. وحين يتحرك الواقع لاحقًا في اتجاه قريب، يبدو المشهد القديم كأنه كان نبوءة، بينما هو في جوهره قراءة ساخرة للحاضر.
وهنا يظهر الفارق المهم بين الاستشراف وعلم الغيب. فالاستشراف يقوم على قراءة المؤشرات وبناء الاحتمالات، وهو جهد بشري يصيب ويخطئ. أما علم الغيب، في المنظور الإيماني، فليس مهارة في التخمين ولا دقة في قراءة الاتجاهات، بل أمر اختص الله سبحانه وتعالى به.
القضية لا تتعلق بمسلسل واحد فقط، بل بطريقة تعاملنا مع الصور والمعلومات في زمن السرعة. فنحن نعيش عصرًا يستطيع فيه مقطع قصير أن يصنع قناعة، وأن يسبق التحقق، وأن يحوّل المصادفة إلى يقين عند جمهور واسع. وهذا ما يجعل التفكير النقدي ضرورة يومية، لا رفاهية ثقافية.
قد يكون «ذا سيمبسون» عملًا ذكيًا في التقاط تحولات المجتمع، وقد يكون قادرًا على السخرية من المستقبل القريب قبل أن يكتمل شكله، لكن ذلك لا يجعله نافذة على الغيب. قيمته الحقيقية ليست في أنه عرف ما سيحدث، بل في أنه كشف لنا كيف يمكن للخيال حين يستند إلى فهم عميق للواقع أن يبدو، بعد سنوات، قريبًا من الحقيقة.
أما نحن، فالأجدر بنا ألا نترك دهشتنا تقود أحكامنا. فليست كل مصادفة نبوءة، وليس كل تشابه دليلًا، وليس كل ما ينتشر يستحق التصديق. وبين الخيال والاستبصار مساحة واسعة، لا يعبرها العاقل إلا بسؤال واحد: ما الدليل؟