رمضان جريدي العنزي
من المؤلم أن تتحول دورات المياه في بيوت الله، التي ينبغي أن تكون مناراتٍ للوعي والتربية على القيم، إلى أماكن يُهدر فيها الماء بلا اكتراث، فكم من صنبورٍ يُترك مفتوحًا، وكم من ماءٍ يجري بلا حاجة، وكم من إسرافٍ يتكرر كل يوم حتى أصبح مشهدًا مألوفًا لا يستوقف كثيرًا من الناس، والمفارقة المؤلمة أن هذا الهدر يحدث في أماكن يُقصد منها أداء عبادةٍ عظيمة، بينما ديننا الحنيف نهى عن الإسراف، حتى في الطهارة والوضوء، فالعبادة لا تكتمل بحسن الأداء فحسب، بل بحسن السلوك أيضًا، واحترام النعمة وصيانتها.
إن قطرة الماء ليست أمرًا هيّنًا، بل هي نعمةٌ عظيمة تقوم عليها الحياة، والمحافظة عليها مسؤولية دينية ووطنية وأخلاقية، وما يُهدر في مسجدٍ واحد خلال يوم واحد قد يكفي احتياجات أسرٍ كثيرة لو استُخدم بعقلٍ ورشد، إن معالجة هذه الظاهرة لا تحتاج إلى حملاتٍ ضخمة بقدر ما تحتاج إلى يقظة ضمير، وثقافة مسؤولية، وصيانة دورية للصنابير وأدوات المياه، مع وضع لوحاتٍ توعوية تُذكر المصلين بأن الاقتصاد في الماء عبادة، وأن المحافظة على الممتلكات العامة من تمام الأمانة، فلنجعل من بيوت الله نموذجًا يُحتذى في احترام النعم، ولنعلم أن الحضارة لا تُقاس بكثرة الموارد، وإنما بحسن إدارتها، ومن يحفظ النعمة، يحفظها الله له، ومن يستخف بها، فقد عرّضها للزوال، إن احترام الماء ليس مجرد سلوكٍ حضاري، بل هو شكرٌ عملي لله على نعمه، وأمانةٌ سنُسأل عنها، وخلقٌ يليق بمن يعمرون بيوت الرحمن، وليس علاج هذه الظاهرة بالمواعظ العابرة وحدها، وإنما بإحياء معنى الأمانة في النفوس، حتى يشعر كل داخلٍ إلى المسجد أن المحافظة على الماء ليست خيارًا شخصيًا، بل مسؤولية شرعية وأخلاقية ووطنية، ومن أولى وسائل العلاج أن تُكثَّف الرسائل التوعوية في المساجد، وأن تتضمن خطب الجمعة ودروس الوعظ التذكير بحرمة الإسراف وتعظيم النعم، وأن توضع لوحاتٌ إرشادية رصينة عند أماكن الوضوء، تُذكِّر المصلين بأن الاقتصاد في الماء عبادة، وأن كل قطرةٍ محفوظة صدقةٌ على المجتمع، كما ينبغي العناية بالصيانة الدورية للصنابير وشبكات المياه، واستبدال الأدوات القديمة بأخرى مرشدة للاستهلاك، فكم من آلاف اللترات تُهدر بسبب تسربٍ يسير، أو صنبورٍ معطَّل، أو إهمالٍ استمر أيامًا أو أسابيع دون معالجة، ولا يقل عن ذلك أهميةً أن يكون الإمام والمؤذن ورواد المسجد قدوةً في حسن استخدام الماء، فالسلوك أبلغ أثرًا من الخطب، والقدوة الصامتة أرسخ في النفوس من آلاف الكلمات، إن الأمم لا تُقاس بما تملك من الموارد، وإنما بما تملك من ضميرٍ يحسن صيانة تلك الموارد، والماء ليس مجرد خدمةٍ تتدفق من صنبور، بل هو نعمةٌ قامت عليها الحياة، وأمانةٌ سيُسأل عنها الإنسان بين يدي ربه، فإذا كانت بيوت الله هي المدرسة الأولى التي تُربّي النفوس على تعظيم الأمانة، فإن أولى ما يُصان فيها هو ما امتنَّ الله به على عباده من النعم، ومن المؤسف أن يُسمع هدير الماء فيها أكثر مما يُرى من الحرص على حفظه، فلنغلق الصنور كما نغلق أبواب الإسراف، ولنجعل من وضوئنا درسًا في الاقتصاد، ومن سلوكنا شاهدًا على صدق إيماننا، فإن شكر النعمة ليس كلمةً تُقال، بل خلقٌ يُمارس، وأمانةٌ تُؤدَّى، وسلوكٌ يبقى أثره ما بقيت النعم.