د. رنا بنت عبدالله الغامدي
كنت في حيرة من أمري. في اختيار مقال هذا الأسبوع. وأشار عليَّ أحد الأصدقاء بأن الصيف ليس موسم المقالات الثقيلة لأن الناس في إجازات، وأغلبهم يسافرون، ويبحثون عما يرفه عنهم، لا ما يثقل أفكارهم.
ولأن في كلامه الكثير من الحقيقة، لذا قررت أن أكتب عن ظاهرة رافقتني لسنوات، وكنت أظن ببساطة أن الجميع يعيشها.
منذ طفولتي، كثيرًا ما كنت أرى حلمًا، ثم فجأة أدرك أنني أحلم. ليس بعد أن أستيقظ... بل وأنا ما زلت داخل الحلم.
أتذكر مرات عديدة كنت على وشك الاستيقاظ، فأقول لنفسي داخل الحلم: «لا... هذا حلم جميل أريد أن أكمله» وأرسل المنبه لغفوة أخرى وأعود لذات الحلم بكامل إرادتي.
وأحيانًا أعود لأغيّر مجرى الأحداث، أو أقرر أن أقول جملة لم أقلها، أو أرد على شخص بطريقة مختلفة، بل إنني أذكر مرة عدت لأصفع أحدهم في الحلم لأني لا أستطيع فعلها في الواقع، لأنني بطبعي امرأة مسالمة.
وظللت سنوات أعتقد أن هذا أمر طبيعي، وأن جميع الناس يستطيعون فعل الشيء نفسه والأغرب من ذلك أنني كنت أستغرب ممن يقول: إنه لا يتذكر أحلامه أصلًا. كيف لا يتذكرها؟ كنت أظن أن الأحلام بالنسبة للجميع تشبه الأفلام؛ لها أحداث، وحوارات، ونهايات، وأحيانًا جزء ثانٍ نعود إليه في الليلة التالية! حتى اكتشفت أن لهذه الظاهرة اسمًا علميًا: «الحُلم الواعي» (Lucid Dream). في هذه الحالة، يدرك الإنسان أنه يحلم، بينما يستمر الحلم، وقد يتمكن بدرجات متفاوتة من التأثير في أحداث الحُلم أو تغيير مساره.
وتشير الدراسات إلى أن الحُلم الواعي يحدث غالبًا خلال مرحلة نوم حركة العين السريعة (REM)، وهي المرحلة التي تكون فيها الأحلام أكثر وضوحًا.
وقد أصبحت ظاهرة الأحلام الواعية محل اهتمام علماء الأعصاب وعلماء النفس، لأنها تمثل حالة فريدة يجتمع فيها النوم والوعي في لحظة واحدة. حيث أثبتت الدراسات أن بعض المناطق المسؤولة عن الوعي واتخاذ القرار تكون أكثر نشاطًا في الحُلم الواعي مقارنة بالحُلم العادي.
والمثير أن العلماء تمكنوا بالفعل من دراستها داخل المختبرات، فقد اتفقوا مع بعض المشاركين على إرسال إشارات بحركات أعينهم بمجرد أن يدركوا أنهم يحلمون، وبالفعل نجح بعضهم في فعل ذلك وهم لا يزالون نائمين، وهي فكرة مدهشة أن يتواصل شخص مع العالم الخارجي وهو ما يزال يعيش حلمًا! لذلك بدأ الباحثون يدرسون إمكانية الاستفادة من الأحلام الواعية في علاج الكوابيس المتكررة، خاصة لدى المصابين باضطراب ما بعد الصدمة، بحيث يتعلم الشخص إدراك أنه داخل حلم، فيغيّر مجرى الكابوس أو يواجه مصدر خوفه، ولا يزال هذا المجال في بداياته، ورغم أن نتائجه الأولية مشجعة، فإن العلم لم يقل كلمته الأخيرة بعد.
فإذا كنت مثلي، قد مررت بتجربة الأحلام الواعية، وكنت تظن أن الجميع يعيشها... فأنت لست وحدك.. أما إذا كنت تسمع عن الأحلام الواعية للمرة الأولى، فآمل أن يكون هذا المقال قد عرّفك على واحدة من أكثر الظواهر إثارة في عالم النوم.