د. سطام بن عبدالله آل سعد
تعود كلمة «كوانتم» (Quantum) إلى أصل لاتيني؛ إذ اشتُقت من كلمة quantum التي تعني «الكمّ» أو «المقدار المحدد»، وهي صيغة محايدة من quantus، بمعنى: «كم يبلغ؟» أو «ما مقداره؟». وانتقل المصطلح لاحقًا إلى الإنجليزية، ثم اكتسب دلالته العلمية الحديثة مع الفيزيائي الألماني «ماكس بلانك» في مطلع القرن العشرين، حين استخدمه للتعبير عن انتقال الطاقة في وحدات منفصلة ومحددة، أطلق عليها اسم «الكمّات».
ويشير الكوانتم، في معناه الاصطلاحي، إلى أصغر وحدة منفصلة يمكن أن تنتقل بها بعض صور الطاقة في العالم الذري ودون الذري. وقد أحدث هذا المفهوم تحولًا عميقًا في فهم الطبيعة؛ إذ كشف أن الظواهر الدقيقة لا تخضع دائمًا لمسارات خطية ثابتة، وأن الاحتمال والترابط والقياس تمثل عناصر أساسية في تفسيرها.
وتتضح العلاقة بين الكوانتم والتنمية المستدامة حين ننظر إلى التنمية بوصفها منظومة مترابطة، لا مجموعة من القطاعات المنفصلة. فالاقتصاد يؤثر في البيئة، والبيئة تنعكس على الصحة، والصحة تؤثر في الإنتاجية، ثم تعود الإنتاجية لتؤثر في الاقتصاد. وبهذا المعنى، لا يبقى أي قرار في الطاقة أو المياه أو الصناعة محصورًا في نطاقه المباشر، إذ يمتد أثره إلى المجتمع والمكان، وقد يصل إلى الأجيال القادمة.
ومن هنا يقدّم الفكر الكمي درسًا مهمًا في فهم التنمية، يتمثل في أن الصورة الكلية لا تُفهم من خلال دراسة كل عنصر بمعزل عن العناصر الأخرى. فارتفاع الناتج المحلي لا يدل وحده على نجاح التنمية إذا صاحبه استنزاف للموارد، كما أن زيادة المشروعات لا تعني تحسنًا حقيقيًا إذا ظل أثرها محدودًا في حياة الإنسان.
ويظهر التقاطع كذلك في مفهوم الاحتمال. فالتنمية المستدامة تعمل داخل عالم متغير تحكمه تحولات المناخ والأسواق والتقنية والسلوك الاجتماعي. لذلك لا تكفي الخطط الجامدة، وإنما تحتاج الدول إلى سيناريوهات متعددة، ومؤسسات مرنة، وقدرة مستمرة على التعلم والتكيف.
أما القياس، فيمثل نقطة التقاء أخرى؛ فما تختار المؤسسات قياسه يحدد سلوكها وقراراتها. فإذا رُبط النجاح بحجم الإنفاق، أصبح الإنفاق غاية، وإذا حُدِّد بعدد المبادرات، تكاثرت المبادرات. أما حين يُربط بالأثر، ينتقل السؤال إلى: ماذا تغير؟ وما الذي تحسن؟ وما الذي أصبح أكثر قدرة على الاستمرار؟
وتتجسد العلاقة المباشرة بين الكوانتم والتنمية المستدامة في التقنيات الكمية الحديثة. فالحوسبة الكمية قد تسهم مستقبلًا في تطوير مواد أكثر كفاءة للطاقة النظيفة، وتحسين شبكات النقل، وإدارة المياه، وتصميم البطاريات، وتحليل الأنظمة البيئية المعقدة. كما يمكن للاستشعار الكمي أن يرفع دقة رصد الموارد والتغيرات البيئية.
ومع ذلك، ينبغي أن يظل هذا الربط منضبطًا؛ فالكوانتم لا يقدّم نظرية جاهزة لإدارة التنمية، كما أن مفاهيم الفيزياء لا يمكن نقلها إلى المجتمع بصورة حرفية. وتكمن قيمته الفكرية في أنه يتيح زاوية مختلفة لفهم التنمية بوصفها عملية معقدة، تتداخل فيها عوامل متعددة، ويصعب تفسير نتائجها من خلال عامل واحد أو دراسة عناصرها بمعزل بعضها عن بعض.
وهكذا يمكن القول إن التنمية المستدامة تحتاج إلى عقل يفكر بطريقة «كمية» بالمعنى الفلسفي: عقل يرى الترابط، ويستوعب الاحتمالات، ويقيس الأثر، ويدرك أن قرارًا صغيرًا قد يصنع تحولًا كبيرًا إذا وُضع في المكان الصحيح.