د. منصور المالك
يمثل صدور الأمر الملكي بتكليف صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان بتولي مسؤولية وزارة الصناعة والثروة المعدنية، مع احتفاظه بحقيبة وزارة الطاقة، خطوة إستراتيجية تعكس توجهًا نحو تكامل السياسات الصناعية والطاقة تحت قيادة واحدة، ويمنح هذا التكامل المملكة فرصة أكبر لتسريع بناء منظومة اقتصادية تعتمد على تعظيم القيمة المضافة للموارد الطبيعية، بدلاً من الاكتفاء بتصديرها في صورتها الأولية.
ويأتي هذا التطور في مرحلة تشهد فيها أسواق الطاقة العالمية تغيرات متسارعة، مدفوعة بالتحولات الجيوسياسية، وتزايد الطلب على الطاقة، والتوسع في التقنيات منخفضة الانبعاثات، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، وأصبحت الدول الأكثر قدرة على المنافسة هي تلك التي تستطيع الجمع بين إنتاج الطاقة، والتصنيع، والتقنيات المتقدمة، والخدمات اللوجستية ضمن منظومة واحدة.
ومن هذا المنطلق، فإن الجمع بين وزارتي الطاقة والصناعة يتيح لوزيرهما مواءمة الخطط الاستثمارية بصورة أكثر تكاملًا، بدءًا من استغلال الموارد الطبيعية، مرورًا بتوفير الطاقة للصناعات، وانتهاءً بإنتاج منتجات ذات قيمة مضافة عالية تستهدف الأسواق العالمية، وهذا النهج يعزز كفاءة اتخاذ القرار، ويختصر الزمن اللازم لتنفيذ المشاريع الكبرى، ويرفع القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
وتمتلك المملكة مقومات تجعلها في موقع فريد لتحقيق هذا التحول، فهي تجمع بين احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، وإمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وبنية تحتية متطورة، وموانئ حديثة، وموقع جغرافي يربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، إضافة إلى بيئة استثمارية مستقرة تدعم المشاريع طويلة الأجل.
ولم تعد القيمة الاقتصادية للطاقة تقاس بحجم الصادرات النفطية فقط، بل بما يمكن إنتاجه اعتمادًا على هذه الطاقة. فالصناعات البتروكيميائية المتقدمة، والوقود المستدام للطيران، والأسمدة الحديثة، والهيدروجين والأمونيا، أصبحت تمثل الجيل الجديد من الصناعات التي تتنافس عليها الاقتصادات الكبرى.
ومع وجود قطاعي الطاقة والصناعة تحت مظلة قيادة واحدة، تتعزز فرص بناء سلاسل قيمة متكاملة تبدأ من استخراج الموارد، ثم تحويلها إلى منتجات صناعية، وصولًا إلى تصديرها للأسواق العالمية. وهذا التكامل يرفع العائد الاقتصادي لكل برميل نفط أو متر مكعب من الغاز أو ميجاواط من الكهرباء يتم إنتاجه.
كما أن المملكة تمتلك فرصة لتصبح مركزًا عالميًا لإنتاج الطاقة الكهربائية والهيدروجين ومشتقاته، مستفيدة من انخفاض تكاليف الإنتاج، وتطور البنية اللوجستية، وازدياد الطلب العالمي على مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات. وتشير العديد من الدراسات الدولية إلى أن أسواق الهيدروجين والوقود النظيف ستكون من أسرع القطاعات نموًا خلال العقود المقبلة، وهو ما يفتح آفاقًا واسعة أمام الاستثمارات الصناعية داخل المملكة.
ولا يقتصر أثر هذا التكامل على قطاع الطاقة، بل يمتد إلى الاقتصاد الرقمي أيضًا، فالتوسع في مراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية يتطلب كميات كبيرة من الكهرباء المستقرة والتنافسية، وهو ما يمنح المملكة ميزة إضافية لاستقطاب استثمارات تقنية وصناعية ضخمة، وتحويل الطاقة إلى عامل جذب للصناعات المستقبلية.
وإذا استمرت وتيرة الاستثمار الحالية، فإن السيناريوهات الاقتصادية المتفائلة تشير إلى إمكانية وصول القدرة الإنتاجية للطاقة المتجددة إلى أكثر من 200 جيجاواط خلال العقدين المقبلين، مع نمو كبير في إنتاج الهيدروجين ومشتقاته، وتوسع الصناعات المرتبطة بالطاقة، كما يمكن أن تتجاوز الإيرادات السنوية الناتجة عن منظومة الطاقة والصناعات المرتبطة بها 2,5 تريليون ريال بحلول عام 2040، مع إمكانية ارتفاعها في حال استمرار نمو الطلب العالمي وتسارع الاستثمارات.
وفي المقابل، قد ينعكس هذا التحول على الاقتصاد الوطني بصورة أوسع، إذ تشير سيناريوهات اقتصادية متفائلة إلى إمكانية وصول حجم الاقتصاد السعودي إلى ما بين 15 و20 تريليون ريال بحلول عام 2040 إذا استمرت وتيرة التنويع الاقتصادي، وتوسعت الصناعات التحويلية، واستمرت المملكة في جذب الاستثمارات النوعية.
إن أهمية القرار الأخير لا تكمن في جمع حقيبتين وزاريتين فحسب، بل في ما يمكن أن ينتج عنه من تكامل بين السياسات والقرارات والاستثمارات. فالعالم يتجه نحو نماذج اقتصادية تدمج بين الطاقة والصناعة والتقنية، والمملكة تمتلك المقومات التي تؤهلها لأن تكون في مقدمة هذا التحول.