تنصيح الرحمن الوافي الهندي
ليست اللغة مجرد أداة للتواصل، بل هي مخزن الذاكرة وشرط الهوية. والتجارب اللغوية التي تعيش خارج مراكزها الجغرافية تكشف كثيرًا عن علاقة الثقافة بالسلطة والدين والمجتمع.
ومن بين هذه التجارب اللافتة، تبرز عربي - مليالم بوصفها مثالًا فريدًا على كيف استطاعت العربية أن تعيش خارج المجال العربي دون دولة تحميها أو سلطة تفرضها.
عربي –مليالم ليست لغة مستقلة، بل أسلوب كتابة تُدوَّن فيه اللغة المليالمية بالحروف العربية. وقد انتشر هذا الخط في جنوب الهند، ولا سيما في كيرلا، منذ القرن السادس عشر الميلادي، أي قبل تشكُّل المليالم الحديثة بحروفها المعروفة اليوم.
في سياق اجتماعي شديد التعقيد، لعب هذا الخط دورًا ثقافيًا يتجاوز الوظيفة التقنية للكتابة، ليغدو جسرًا حضاريًا بين العالم العربي والمجتمع الهندي المحلي.
لفهم أهمية هذا التحول، لا بد من استحضار السياق الاجتماعي الذي نشأ فيه. فقد كانت المعرفة في الهند التقليدية مرتبطة بالطبقة، وكانت اللغة المكتوبة امتيازًا محصورًا في فئات بعينها.
وقد نصّت بعض المدونات القانونية الهندوسية القديمة، مثل «منو سمرتي»، على عقوبات قاسية بحق الطبقات الدنيا إذا اقتربت من النصوص المقدسة، وهو ما جعل اللغة نفسها أداة للهيمنة الاجتماعية.
في هذا المناخ، وجد مسلمو كيرلا أنفسهم أمام معادلة صعبة: لغة يومية محلية يتحدثون بها، ولغة دينية مقدسة يرتبط بها وعيهم الروحي.
فكانت الاستجابة ذكية وبسيطة في آنٍ واحد: كتابة المليالم بالحروف العربية. لم يكن ذلك مجرد حل عملي، بل كان فعلًا ثقافيًا واعيًا، أعاد توزيع المعرفة، وحرّر الدين من احتكار النخبة اللغوية.
بفضل عربي– مليالم، انتقلت المعارف الإسلامية إلى عامة الناس بلغتهم الأم، دون أن تنفصل عن المرجعية العربية.
وازدهرت من خلالها تقاليد أدبية واسعة، شملت القصائد الدينية، والمدائح الصوفية، والشروح الفقهية والعقدية.
ومن أبرز نتاج هذا التراث ما عُرف بـ«الأدب المالاوي - مالا»، وفي مقدمته «محيدّين مالا» المكرسة للإمام عبد القادر الجيلاني، والتي شكّلت نصًا شعبيًا راسخًا في الوجدان الديني لمسلمي كيرلا، قبل قرون من ظهور الرواية الأدبية المليالمية الحديثة.
لم تكن العربي - مليالم أداة انعزال، بل وسيلة توازن. فقد حافظت على هوية المسلمين الثقافية في مجتمع متعدد الأديان، دون أن تقطعهم عن محيطهم الاجتماعي. ومع صعود الحداثة الاستعمارية، وفرض أنماط تعليمية جديدة، تراجع استخدام هذا الخط منذ بدايات القرن العشرين، وحلّت المليالم الحديثة محلّه في المؤسسات الرسمية.
غير أن الأفول الوظيفي لا يعني موت المعنى.
فاليوم، يعود الاهتمام بالعربي– مليالم من بوابة البحث الأكاديمي ورقمنة المخطوطات، بوصفها مفتاحًا لفهم تاريخ المسلمين في جنوب الهند، وتجربة حية لكيف يمكن للغة أن تكون أداة مقاومة ناعمة، لا بالسلاح، بل بالكتابة.
إن عربي - مليالم لا تهم مسلمي كيرلا وحدهم، بل تطرح سؤالًا أوسع أمام الثقافة العربية المعاصرة: كيف يمكن للغة أن تعيش وتؤثّر خارج مركزها، حين تُحمَل بوصفها هوية، لا مجرد لسان؟!
** **
باحث في العقيدة والفلسفة - جامعة الأزهر