عبدالكريم بن دهام الدهام
قبل فترة، دار بيني وبين أحد الزملاء حديث لفت انتباهي، إذ قال مستغرباً: لماذا أصبح بعض أصحاب المناسبات يحرصون على تصوير وصول الضيوف أكثر من المناسبة نفسها؟ ولماذا تلاحق الكاميرات شخصيات معينة منذ نزولها من السيارة وحتى مغادرتها؟
سألته: وهل تقصد جميع الحضور؟
قال: لا، بل أصحاب المناصب، والوجوه المعروفة، ومن تلفت سياراتهم الأنظار بأرقامها المميزة أو فخامتها.
تأملت السؤال قليلاً، ثم قلت: لأن كثيراً من الناس باتوا ينظرون إلى المناسبات بوصفها فرصة لإبراز المكانة الاجتماعية، وليس مجرد لقاء يجمع الأحبة والأقارب.
فالإنسان بطبيعته يميل إلى أن يُنظر إليه باعتباره ذا حضور وتأثير، لكن وسائل التواصل الاجتماعي ضاعفت هذه الرغبة، ومنحتها مساحة أوسع للعرض والانتشار.
اليوم لم تعد بعض المقاطع المصورة مجرد توثيق لذكرى جميلة، بل أصبحت تحمل رسائل غير معلنة، توحي بأن صاحب المناسبة يحظى بعلاقات واسعة، أو مكانة مرموقة، أو نفوذ اجتماعي، وكأن قيمة المناسبة تُقاس بمن حضرها أكثر مما تُقاس بالمناسبة نفسها.
ولهذا نرى عدسات التصوير تتجه نحو كل ما يرمز إلى الوجاهة؛ سيارة فاخرة، أو شخصية بارزة، أو مسؤول معروف، أو ضيف جاء من مدينة أو دولة أخرى، لأن هذه التفاصيل تمنح المحتوى بريقاً أكبر، وتُسهم في رسم صورة ذهنية عن صاحب الدعوة أمام المتابعين.
ولا يعني ذلك أن التصوير أمر سلبي، فهو وسيلة جميلة لحفظ الذكريات وتوثيق المناسبات، وقد أصبح جزءاً من حياتنا الاجتماعية. لكن الإشكال يظهر عندما يصبح الهدف من الكاميرا صناعة الانطباعات، لا حفظ اللحظات، وعندما تتحول المناسبة إلى منصة لإثبات النفوذ بدلاً من أن تكون مناسبة لتقوية أواصر المودة.
في جوهرها، المناسبات الاجتماعية وُجدت لتقريب الناس من بعضهم، وتعزيز قيم الوفاء وصلة الرحم ومشاركة الأفراح والأتراح، لا لتكون ميداناً للمفاخرة أو استعراض العلاقات.
ويبقى الفارق واضحاً بين من يسعد بحضور الناس لأنهم يبادلونه المحبة والتقدير، وبين من ينشغل طوال المناسبة بإقناع الآخرين أنه صاحب نفوذ وحضور، حتى لو كان ذلك مجرد صورة صنعتها الكاميرا، ولم تصنعها الحقيقة.