عبود بن علي ال زاحم
يظن كثير من الناس أن خسارة الإنسان تبدأ عندما يفقد مالًا أو منصبًا أو فرصةً كان ينتظرها لكن الحقيقة أن هناك خسارة أخطر من ذلك كله وهي أن يفقد رضاه عن حياته.
وهذه هي السرقة التي يتقنها الشيطان، فهو لا يبدأ بسرقة النعم من بين يدي الإنسان بل يبدأ بسرقة الرضا من قلبه. يشغله بما ينقصه حتى ينسى ما يملكه ويجعله يلتفت إلى باب أُغلق في وجهه بينما تغيب عن عينيه أبواب كثيرة فتحها الله له.
ولهذا أرشدنا الله سبحانه وتعالى إلى أن نستعيذ به من نزغات الشيطان فقال تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ}.
وتزداد هذه المشكلة في عصرنا مع كثرة المقارنات، فكل يوم نرى نجاحات الآخرين وإنجازاتهم وأسفارهم ومقتنياتهم حتى أصبح بعض الناس يقيس جودة حياته بما يراه في حياة غيره لا بما يعيش هو من نعم.
والمقارنة لا تنتهي أبدًا لأنك ستجد دائمًا من يملك أكثر ومن يبدو أكثر نجاحًا، ومن يعيش حياة أجمل في ظاهرها، ولذلك فإن من يجعل المقارنة ميزانًا لحياته لن يصل إلى الرضا مهما حقق من إنجازات لأن عينه ستظل معلقة بما عند الآخرين.
أما الرضا فيبدأ عندما يتحول النظر من المفقود إلى الموجود، عندما يدرك الإنسان أن الصحة نعمة وأن الأسرة نعمة وأن الأمن نعمة وأن راحة البال نعمة وأن كثيرًا مما اعتاده هو في الحقيقة أمنية يتمناها ملايين البشر.
ولهذا جاء وعد الله واضحًا {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}. فالشكر لا يزيد النعم فحسب بل يزيد شعور الإنسان بقيمتها ويمنحه سكينة لا يمكن أن تشتريها الأموال.
وأن يتأمل أحوال الناس يدرك أن أكثرهم راحة ليس بالضرورة أكثرهم مالًا ولا أعلى منهم منصبًا بل أكثرهم رضا، لأن الرضا يجعل القليل كثيرًا بينما تجعل المقارنة الكثير قليلًا.
في النهاية لا تدع المقارنة تقود حياتك واجعل لسانك رطبًا بالحمد وعينك ترى ما أنعم الله به عليك قبل أن ترى ما عند غيرك. فالشيطان لا يحتاج أن يسلبك نعمك حتى يحزنك بل يكفيه أن يسلبك الشعور بها.
فكلما كبرت المقارنة.. صغر الرضا.