عبدالعزيز صالح الصالح
قال الشاعر الحكيم:
يا بُلبلاً.. غنَّى، فأطرب مهجتي
وأزاح عَنِّي.. وحْشةَ الأعرابِ
واصلْ غناءك.. فالهمومُ مجامر
واللحنُ.. يُطفئ حُرْقَةَ الأعرابِ
فإن عالم الطيور عالم عجيب وفريد فهي في حركة دائمة وتغرد من حين إلى حين بأصواتها الشجية الجميلة وجمال أشكالها، وجمال في هندامها، وجمال في غنائها، ومرح في حياتها، وظرافة في بناء أعشاشها، وحنان في حبها لصغارها، ومن أبرز الأشياء عندها عواطفها، فهي تغني استجابة لعواطفها، وتمرح لعواطفها، وتتحبب لجنسها وصغارها.
فقد علمت الإنسان الأول أن يوارى سوأة أخية بعد موته، فقال: (يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ)، كما علمته درس الحرية فالطيور تغني حباً، وتغني سروراً، وتغني مرحاً، وتغني حزناً، فإن أصواتها متنوعة تنوع نغمات البيان، علواً وانخفاضاً، ورقة وغلظاً، وقوَّة وضعفاً، فإنها تغني إذا هاجت عواطفها ليلاً أو نهاراً، وهي تقفز من شجرة إلى شجرة، مندفعة في سيرانها بشكل كله خفة ورشاقة!
فإن أصوات كل نوع متشابه، ولكن ما أبعد هذا عن الحق، فهي تغني مناغاة للحب، وتغني محذرة من خطر قادم، وتغني فرحة وسروراً بحياة فصل الربيع، وتغني دعوة للرحيل، وتغني حزناً عن فقد حبيب!
فما أكثر أغانيها، ومن عظمة ذلك الطير أن الإنسان سهل له أن يدرك مزايا تلك الحيوان فيقلدها وينتفع بتقليدها، تعلم من الأسد شجاعته، ومن القرد كياسته، ومن الحرباء تلونها، ومن الذئاب خداعها، ومن الثعالب روغانها، ومن النحل مهارتها في صناعتها، ومن النمل جده وادخاره، فقد عاش الطير منذ خلق وهو يطير من ظلم الإنسان، ولا يظلم الإنسان، ويطير جمالاً!
ولا يطير قبحاً، ويطير سروراً إلى عشه، ويقطع المسافات الشاسعة بحثاً عن غذائه، فإذا لم يقتله الإنسان عاد كما جاء إلى عشه مهتدياً بذاكرته فسبحان خالقه.