باسم سلامة القليطي
وصلت قبل أصدقائي هذه المرة. كان في إمكاني أن أبقى في السيارة دقائق إضافية، أو أن أتصفح هاتفي ريثما يصلون، لكنني فضلت الجلوس مبكراً في الديوانية التي اعتدنا الالتقاء فيها لمتابعة مباريات كأس العالم. اخترت طاولة تطل على معظم المكان، وطلبت فنجان قهوة، ثم تركت عيني تتجولان بين الوجوه والطاولات.
كان المكان يمتلئ ببطء، كما يمتلئ المساء بالهدوء قبل أن تشتعل المدرجات على الشاشات. تتداخل رائحة القهوة مع عبق الشاي بالنعناع، وتتقاطع الضحكات مع صوت المعلق الذي كان يراجع نبرته قبل بداية اللقاء. وجوه كثيرة مرت أمامي؛ وجوه سمراء وبيضاء، عربية وآسيوية وإفريقية، وجوه حفرتها السنون بالتجاعيد، وأخرى لا تزال تحتفظ بملامح المراهقة. اختلفت الأعمار والألوان واللهجات، لكن الجميع بدا وكأنه جاء وفي داخله موعد ينتظره، أو فرحة صغيرة يأمل أن يقتسمها مع الآخرين.
إلى يساري جلس ثلاثة رجال تجاوزوا الستين من أعمارهم. لم تكن المباراة قد بدأت بعد، ومع ذلك كانوا يتحدثون بحماس عن مباريات مضى عليها أكثر من أربعين عاماً. أحدهم يروي كيف كان يهرب من البيت ليشاهد مباراة نهائية في منزل الجيران لأن التلفاز لم يكن متوافراً في كل البيوت، والثاني يقاطعه ضاحكاً مؤكداً أن لاعباً برازيلياً قديماً كان أفضل من كل نجوم هذا الزمن، بينما الثالث يكتفي بالابتسام واحتساء الشاي، ثم يطلق بين الحين والآخر تعليقاً قصيراً يجعل الجميع يضحكون. بدا لي أن الكرة عندهم لم تعد مجرد لعبة، بل صندوقاً يحتفظ بذكريات الشباب، وبأسماء أصدقاء فرقتهم مشاغل الحياة أو غيبتهم السنوات.
وعلى الطاولة المقابلة، كان أربعة شبان تبدو عليهم ملامح طلاب الجامعة. هواتفهم لا تفارق أيديهم، لكن أحاديثهم كانت أكثر دفئاً من شاشاتهم. أحدهم يشكو من مشروع تخرجه، وآخر يطمئنه بأن المشرف ليس بالصعوبة التي يتخيلها، وثالث يسأل عن اختبار مؤجل، ثم فجأة يتحول الحديث كله إلى توقعات المباراة، ويختلفون حول النتيجة المتوقعة كما لو أن مصير العالم سيتحدد خلال تسعين دقيقة. ابتسمت وأنا أفكر أن الإنسان، مهما ازدحمت أيامه، يحتاج أحياناًً إلى ساعتين ينسى فيهما الاختبارات والمشروعات وكل ما ينتظره في الغد.
غير بعيد عنهم، كانت هناك طاولة تجمع خمسة شبان يرتدون قمصاناً رياضية متشابهة. كانت آثار التعب لا تزال واضحة على وجوههم، وأحذيتهم الرياضية الملطخة بغبار الملعب تؤكد أنهم جاءوا مباشرة من التدريب. كانوا يتحدثون بصوت مرتفع، يتبادلون المزاح والاتهامات الطريفة حول من أهدر فرصة سهلة ومن تسبب في خسارة المباراة الأخيرة لفريقهم. وبين ضحكاتهم المتلاحقة، بدا لي أن التدريب انتهى، لكن صحبتهم لم تنتهِ بعد، وأن أجمل ما في الرياضة ليس ما يحدث داخل الملعب، بل ما تبقيه خارجه من رفقة وأُلفة.
أما الطاولة الأقرب إلي، فكانت الأكثر إثارة للتأمل. جلس حولها عدد من طلاب الجامعة الإسلامية، جمعتهم لهجات متعددة وملامح قادمة من قارات مختلفة. أحدهم من نيجيريا، وآخر من إندونيسيا، وثالث من تركيا، ورابع من إحدى دول آسيا الوسطى. كانوا يتحدثون العربية بلكنات متفاوتة، ويتبادلون النكات ببراءة محببة، ثم يختلفون حول المنتخب الذي سيشجعونه في البطولة. ومع ذلك بدا واضحاً أن اختلاف الأعلام التي ينتمون إليها لم يكن قادراً على إفساد دفء جلستهم. لقد جاءت بهم الدراسة إلى مدينة واحدة، وجمعتهم القهوة، ووحدتهم رغبة بسيطة؛ ألا يقضي أحد منهم أمسيته غريباً.
ولعل أبا حيان التوحيدي أحسن وصف مثل هذه المجالس حين قال: «إن في المحادثة تلقيحاً للعقول، وترويحاً للقلب، وتسريحاً للهم، وتنقيحاً للأدب». فما كان يدور حول تلك الطاولات لم يكن مجرد أحاديث عابرة، بل محاولة إنسانية قديمة لمقاومة الوحشة، واستعادة شيء من الطمأنينة في صحبة الآخرين.
بين هذه الطاولات جميعاً، كنت أرتشف قهوتي ببطء، وأنتظر أصدقائي الذين تأخروا قليلاً. وأدركت أن الإنسان لا يحتاج دائماً إلى أحاديث عميقة أو مناسبات استثنائية كي يشعر بالسعادة. أحياناً يكفي أن يجلس وسط وجوه لا يعرفها، لكنه يشعر أنها تشبهه في شيء ما؛ في حاجتها إلى الضحك، وفي خوفها من الوحدة، وفي رغبتها البسيطة بأن ينتهي اليوم بصوت مِرح، وفنجان قهوة، ومباراة جميلة، وذكريات صغيرة تظل قادرة على تدفئة القلب حين تبرد الأيام.
وبينما كنت أتابع إحدى اللقطات المُعادة على الشاشة، سمعت صوتاً أعرفه جيداً:
- يبدو أننا تأخرنا عليك.
التفتُّ، فإذا بأصدقائي قد وصلوا أخيراً. جلس كل واحد في مكانه المعتاد، وامتلأت الطاولة بالأكواب والأسئلة والضحكات التي لا تحتاج إلى مقدمات.
انطلقت صافرة البداية، وتعالت الأصوات في الديوانية، لكنني كنت أفكر في شيء آخر؛ أن البطولة ستمضي، وستُطوى الأعلام، وستعود هذه الطاولات إلى أمسياتها المعتادة، لكن شيئاً واحداً سيبقى كما هو؛ ذلك الشوق الصغير الذي يدفع الناس إلى مغادرة بيوتهم في آخر النهار، لا حباً في القهوة وحدها، ولا شغفاً بالكرة فحسب، بل رغبةً في أن يجد الإنسان وجهاً يبتسم له، ومقعداً ينتظره، وحديثاً عابراً يُخفف عنه ثقل الأيام.
ربما كانت القهوة عابرة، وكانت المباريات عابرة، وحتى البطولات عابرة، أما الأُنس والونس فهما من الأشياء القليلة التي تستحق أن نعود إليها مرة بعد أخرى.