إبراهيم أبو عواد
لطالما كان عالم كرة القدم أرضا خصبة للقصص الملهمة، لكنه في الوقت ذاته لا يخلو من الجدل والاتهامات. ولعل السؤال الذي يتردد في بعض المقاهي الرياضية، والاستديوهات التحليلية، ومنصات التواصل الاجتماعي هو: هل الفيفا يجامل النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي؟
هذا السؤال لم يأت من فراغ، بل يغذيه شعور بعض من الجماهير بأن «البرغوث» الأرجنتيني يحظى بمعاملة تفضيلية، وسلطة معنوية داخل المستطيل الأخضر وخارجه، توجت بعديد من الجوائز الفردية التي يرى البعض أن غيره كان أولى بها في أعوام معينة. ولكن، هل هي مجاملة حقا أم أنها معادلة معقدة تشتبك فيها العاطفة بالصناعة والاستثمار؟
الفيفا ليست مجرد اتحاد رياضي، بل هي مؤسسة تجارية عملاقة تدير صناعة بمليارات الدولارات. وفي عالم المال والأعمال، يحتاج كل منتج إلى علامة تجارية براقة تجذب المستثمرين، والرعاة، والجماهير.
ميسي ليس مجرد لاعب كرة قدم، بل هو أكبر علامة تجارية حية في تاريخ الرياضة. وجود ميسي في أي محفل، أو تتويجه بأية جائزة، يعني ملايين المشاهدات الإضافية، وتضاعف عقود الرعاية والإعلانات، وشغف جيل كامل من الشباب بمتابعة اللعبة وشراء قمصانها. بالنسبة للفيفا، استمرار ميسي على القمة هو استمرار لتدفق الأرباح، وضمان جاذبية اللعبة عالميا.
تبحث كرة القدم دائما عن الملك، الذي يتربع على عرشها ليصبح واجهة اللعبة عبر الأجيال، (مثل بيليه ومارادونا سابقا). ميسي - بأسلوبه الساحر وشخصيته الهادئة نسبيا بعيدا عن الفضائح - يمثل العنوان المثالي الذي ترغب الفيفا في تصديره للعالم كقدوة رياضية.
تتويج ميسي بلقب كأس العالم في قطر (2022) منح كرة القدم النهاية الهوليودية المثالية التي حلم بها عشاق اللعبة والمسؤولون عنها. هذه الصورة الأسطورية هي ما تحاول الفيفا الحفاظ عليه، وإظهاره دائما، لأنها ترفع من القيمة الروحية والتاريخية لبطولات الاتحاد الدولي.
يخلط المنتقدون بين مجاملة الفيفا، وتصويت المنظومة الكروية. جوائز مثل الأفضل، أو الكرة الذهبية، أو جوائز الفيفا عموما، تعتمد في جزء كبير منها على تصويت مدربي وقادة المنتخبات الوطنية، إضافة إلى الصحافيين. هؤلاء المصوتون بشر، يتأثرون بالهالة التاريخية للاعب. عندما يوضع اسم ميسي في قائمة المرشحين، فإن المصوت لا ينظر فقط إلى إحصائيات الموسم الحالي، بل يصوت أحيانا لـ»ميسي التاريخ والتراث». هذا الاحترام الجارف من زملائه ومدربيه في الملاعب يتحول تلقائيا إلى نقاط تصويتية تظهره وكأنه يفوز بالمجاملة، بينما هو يفوز بسطوة اسمه وتاريخه.
لا يمكن إنكار أن هذا الدعم المعنوي والترويجي الهائل لميسي قد ألقى بظلاله على لاعبين آخرين قدموا مواسم استثنائية. في تلك اللحظات، يرى المشجع المحايد غيابا لمعايير العدالة الصارمة لصالح الكاريزما والتأثير الجماهيري.
ما يسميه البعض مجاملة، يراه خبراء التسويق والاستثمار ذكاء تسويقيا، وعبقرية البيع، ويراه عشاق الرومانسية الكروية تتويجا عادلا للموهبة الأرقى في التاريخ. والفيفا لا تجامل ميسي لشخصه فقط، بل تجامل فيه صورتها، وأرباحها، والقصة الجميلة التي تريد لمليارات البشر أن يواصلوا تصديقها، وشغفهم بها، قصة أن كرة القدم ما زالت قادرة على إنجاب السحرة والمبدعين والنجوم.
** **
- كاتب من الأردن