مشعل الحارثي
صدق الشاعر محمد إقبال إذ يقول: إن حزننا على عزيز مات ليس لأنه مات فالموت حقيقة وحق بل يعتصر الحزن النفس بسبب فقدان القيم والفضائل التي كان يجسدها الفقيد بيننا وهو حي فتذبل شجرتها وتموت بعد أن يغلق عليه القبر).. تذكرت هذه الكلمات ونحن نودع العم العزيز طليب بن محمد العمراني الحارثي إلى مستقره الأخير بعد أن وافاه الأجل المحتوم فجر الثلاثاء 22 محرم 1448هـ، وأديت عليه الصلاة في المسجد الحرام بمكة المكرمة، ودفن بمقابر الشهداء بالشرائع، رحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه فسيح الجنان.
ولا شك أن طريق الموت وفي كل يوم أهل بقوافل الراحلين إلى الدار الباقية دار الخلد والنعيم، وكلنا يقين أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، والسعيد حقا من يرحل بزاد وفير من التقوى والعمل الصالح.
أقول تذكرت معه مقولة الشاعر إقبال وما كان عليه فقيدنا الغالي الذي انتقل منذ عقدين من الزمن من الطائف إلى مكة المكرمة ليكون بجوار الحرم المكي الشريف وانقطع للطاعة والعبادة والصلاة في الرحاب الطاهرة حتى وافته المنية وهو للتو فارغ من عبادة الصيام وتلاوة القرآن الذي كان يحرص كل الحرص على أن يستوفي ختمه أسبوعيا ختمة كاملة، فما أجملها من خاتمة وميتة هنية سعيدة.
لقد عاش الفقيد في ظل والديه وبين أسرته وأقرانه وأبناء عمومته وبين أحضان الطبيعة في مزرعته بقرية (العمارين) فكنا نراه وهو يسرح مع الطير لمصاحبة المزارعين في الصباح الباكر وهم يتجهون لمزارعهم، فيعتلي الهضاب ويطأ الشعاب، ويحمل (اللومة)، و(المقرنة) وغيرهما من آلات الزراعة، ويسوق السواني للعمل بالفلاحة، يحرث ويغرس ويشذب الأشجار ويقطف الثمار، منطلقا في حياة يومية مملؤة بالهمة والنشاط والحيوية، وفي أجواء يسودها الهدوء والتعاون والتألف بين الأسر، مما كان له أبلغ الأثر في سماحة خلقه ولين جانبه، فالبيئة الصالحة وكما يقال لها دورها الكبير في حسن سلوك الإنسان واستقامته في قابل حياته وحتى مغادرته هذه الدنيا.
ولاغرو في ذلك فقد تخرج فقيدنا من مدرسة والده الشيخ التقي النقي محمد بن طليب رحمه الله الذي كان يملك من الصفات الجميلة سواء الخلقية والخلقية (بفتح الخاء في الأولى وضمها في الثانية) الكثير والكثير فقد عرف بروحه الطيبة الودودة وحبه للألفة والخير ومحبة الناس، والتي جعلت الجميع يرتاحون له ويقبلون عليه ويشعرون اتجاهه بالراحة والتقدير.
وفي الجانب الآخر كانت والدته الحكيمة الصالحة المصلحة ترعاه بحبها وتنشر الخير في بيتها ومجتمعها والتي صدق في حقها قول الإمام ابن العربي المالكي رحمه الله: «الزوجة الصالحة لا تأتي بسعيك، فهي رزق يُسَاقُ لِمَنِ اتّقَى ربَّه».
لقد أحب فقيدنا الراحل هذه العيشة الفطرية البدائية التي عاشها في قريته ومع والدية وكأنه يستمد منهما روح البقاء على القيم والفضائل وحياة الصفاء والنقاء، وقبل ذلك الإدراك واليقين التام بأن هذه الدنيا دار ممر وليست مستقرا، فلم يغتر بها ويتعلق بكل ما فيها من مباهج ومغريات، بل عاش عيشة القناعة والكفاف، وجعل الآخرة هي هدفه الأسمى حتى غادر دنيانا وهو راض كل الرضا متهلل الوجه مسرور الخاطر.
وإذا كانت المقولة الذائعة بين الناس تقول الناس شهداء الله في أرضه فقد عرف رحمه الله بين الناس وطوال حياته بالسماحة والحرص على عدم الإساءة لأحد وأداء حقوق المولى وحقوق العباد على أكمل وجه، وملتمسا لرضا الله سبحانه بأداء فرائضه واجتناب محارمه.
وفي الختام لا يسعني إلا أن أتوجه بصادق العزاء والمواساة لأبناء الفقيد كل من ابنه الأكبر عواض،وعيضة، ومحمد، ودخيل الله، وحسين وبناته وأبنائهم، ولزوجته تلك المرأة الصالحة الصابرة على هموم الحياة وتقلباتها، وجميع أفراد أسرته وأسرة العمراني كافة وأنسابهم من آل الثبيتي، وآل أبي السعود، سائلا الله القوي العزيز، اللطيف الخبير، الرحمن الرحيم، بلسان صادق وقلبٍ خاشع أن يرحم فقيدنا الغالي، ويرزقه العفو والثبات، وأن يجازيه بالإحسان إحسانا وبالزلات رحمة وغفرانا، وأن يجعل نزله الفردوس الأعلى من الجنة؛ لا بقدر حبنا ودعائنا، له فقط بل بقدر لطف الله وفضله ورحمته الواسعة بعباده، وأنه جل في علاه وكما أخبرنا الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم بأنه أرحم على عباده من الأم التي فقدت طفلها.. فلا حرمنا الله جميعاً من عظيم رحمته وفضله، وكريم بره ولطفه.. و{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.