علي الخزيم
* تعتَاد بعض المجتمعات سنّة من السُّنن وتسيطر عليهم المفاهيم المُسبقة حولها؛ وإن كانت هذه السنن والخصال الحميدة طيبة مُجدية بحين من الزمن؛ فقد تكون بزمن آخر أقل جدوى وفائدة حتى وإن كانت مِمَّا يُستطاع ويسهل تنفيذه وتحقيق مقاصده الخيِّرة، ويُؤخذ على البعض من قادة الرأي والوعاظ وخطباء الجُمَع الغفلة عن تناول مثل هذه المبادرات المباركة للحث على التجديد المفيد، ومنهم من يَصُد عنها لتحكُّم المفهوم السائد حولها والقناعة الراسخة لديهم بأن هذه المسائل مُحصَّنة عن النقاش والتناول بسبيل الأفضل والأعم فائدة، بل إن منهم مَن إذا حدَّثته حول هذه الأفكار ليثور غضبًا وكأنك قد لامَست الثوابت والمقدسات بسوء؛ (معاذ الله أن نكون من الجاهلين).
* مثار الحديث هو أنني خلال أسبوع واحد وردتني عدة رسائل إلكترونية تدعو للتبرع بسقيا الماء لمتوفين حديثًا -غفر الله لهم- وكنت أدلي برأي مختصر بمجلس ضم إخوة كرام تأملت بهم الخير لطرح فكرتي وتأييدها حين تتاح لهم الفرص المناسبة كل بتخصصه، وملخص الفكرة والرأي هو: لماذا نركّز بصدقاتنا وإحساننا لموتانا بقنوات إحسان محددة لا تتغير على مدى عشرات السنين؛ مع أن الزمن ومآلات أحوال الناس تتقلّب وتتجدّد؛ كما أن ما كان الناس بحاجة إليه بزمن مضى؛ قد تيسَّر -ولله الحمد- بزمننا بجهود كريمة من قيادتنا الرشيدة -أيدها الله- وبرزت حاجات مُستجدة للناس؛ وقد تكون ملحة ببعض الأنحاء فوجب الالتفات تجاهها والعمل على سد الحاجة إليها.
* ولعلي (قبل إيراد الأمثلة) لا أُفوِّت ملحوظة للتوقف عندها؛ ذلكم أن صِلة الرحم والوفاء للأقارب والأصدقاء ونحوهم لا يبدأ عند وفاتهم؛ بل الأوفَى والأحق أن تتحقق حينما كانوا بيننا؛ فهناك من قاطعوا أهلهم وإخوانهم والمحيطين بهم لأسباب واهية؛ بل ربما ناصبوهم العداء ونالوهم بالشر والإيذاء؛ وحين توفّاهم الله تراكضوا للتصدق عنهم بسقيا الماء، لقد كانوا بحياتهم متعطشين لبرّكم وصلتكم؛ وكانوا يدعون الله أن يهديكم للحق فتَكُفّوا عن إيذائهم بالسر والعلن؛ أمَّا وقد رحلوا: فلعلهم بغنى عن أعمالكم التمثيلية المُجرَّدة من معاني البر والتقوى نحوهم!
* أقول: إن من الأعمال المناسبة للإحسان للمتوفين ما تكون الحاجة لها ماسّة كأن يُوفِّر المتصدقون أجهزة غسيل الكُلَى للمراكز الصحية التي تنتظر دورها للحصول عليها بالتنسيق مع الجهات المختصة بوزارة الصحة، أو أجهزة الأشعة المتطورة؛ وغيرها كثير يمكن الاستضاءة بشأنها مع جهات الاختصاص وليس الأمر بالصعب، كما يمكن (بمسألة الماء) إنشاء مصادر ثابتة لمياه الشرب بمواقع وتجمعات سكانية محتاجة داخل المملكة، فأبواب الخير كثيرة؛ والعقول النَّيرة يمكنها ابتكار الأفضل والأجود والأنفع.