د. تنيضب الفايدي
هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة المنورة بعد وقوف الأوس والخزرج (الأنصار) إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم، ولما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هناك كثيرٌ من التحديات أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بدّ من حلها سريعاً، ومنها إيجاد مسكن لهؤلاء المهاجرين الذين تركوا وراءهم كلّ شيءٍ إلا ما كان على أجسامهم من لباس، استطاع الأنصار أن يستضيفوا المهاجرين الأوائل في بيوتهم، وأن يشاركوهم في الأكل والنفقة، ولكن لما زاد عدد المهاجرين لم يكن هناك قدرة للأنصار على استيعابهم. فقد صار المهاجرون يكثرون يوماً بعد يوم؛ لأن الإسلام صار ينتشر وبدأ الناس يدخلون فيه. فاستمرار تدفق المهاجرين إلى المدينة سبّب مشكلة السكن والمعيشة فترك النبي صلى الله عليه وسلم المكان المظلل في الجهة الشمالية في المسجد النبوي مكاناً لأولئك المهاجرين ولم يكن لها ما يستر جوانبها، ومنذ ذلك الوقت أطلق عليه اسم الصفّة فكان من لم يتيسر له مكان يأوي إلى تلك الصفّة في المسجد. روى البيهقي عن عثمان بن اليمان قال: «لما كثر المهاجرون بالمدينة، ولم يكن لهم دار ولا مأوى، أنزلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، وسماهم أصحاب الصفّة، فكان يجالسهم ويأنس بهم». وقد سماهم النبي صلى الله عليه وسلم (الأوفاض) فعن أبي رافع قال: لما ولدت فاطمة حسيناً قالت: يا رسول الله ألا أعق عن ابني؟ قال: «لا ولكن احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره ورقا -أو فضة- على الأوفاض المساكين» يعني بالأوفاض أهل الصفّة. وقد قيل في سبب تسميتهم بالأوفاض لكونهم كانوا أخلاطاً من قبائل شتى، وقيل: إن كل واحد منهم كان معه وفضة وهي مثل الكنانة الصغيرة يلقي فيها طعامه.
والصفّة في اللغةً: بضم الصاد، وتشديد الفاء الظلة والسقيفة. قال الأزهري: الصُّفَّة موضع بهو مظلّل. واصطلاحاً: مكان مظلل في مؤخر المسجد النبوي أعدّ لنزول الغرباء فيه، ممن لا مأوى له ولا أهل.
أما مكانها فتقع الصفّة في الركن الشمالي الشرقي من المسجد النبوي في عهده صلى الله عليه وسلم، وهي أيضاً في الشمال الغربي من بيوت النبي صلى الله عليه وسلم (الحجرات)، وموقعها حالياً بالقرب من دكة الأغوات، وقد تشمل جزءاً منها. والصفّة: عبارة عن سقيفة أو مظلة تتكون أصلاً من الجذوع كأعمدة ثم سقف من الجريد وسعف النخيل.
ولما حولت القبلة إلى الكعبة كان لا بد من نقل الظلة التي أقيمت لتقي المصلين الحر والمطر من الجهة الشمالية إلى الجهة الجنوبية بيد أن الحاجة إليها لإيواء الفقراء والمساكين أوجبت بقاءها، وإقامة أخرى في الجهة الجنوبية، فبقيت ظلة القبلة الأولى مكاناً لأهل الصفّة، وأصبح للمسجد لأول مرة ظلتان، يتوسطهما صحن مكشوف.
هدف بناء الصفَّة
يظهر مما سبق بأن الهدف الرئيسي من بناء الصفَّة هو إيواء فقراء الصحابة وتأمين معيشتهم، وخصوصاً أن الحالة المعيشية في المدينة وقت الهجرة كانت صعبة للغاية، وقد وصف تلك الحالة الصعبة رجلٌ من أهل الصفَّة وهو أبو هريرة رضي الله عنه، حيث يقول: «لقد رأيت سبعين من أهل الصفَّة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ الساقين ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته». ولكن بعد مرور الزمن ومجيء الغنى قد تطورت أهداف ومهام الصفَّة فلم تكن مهمتها إيواء وإطعام الفقراء فحسب، بل أصبحت مثل دار الضيافة، تستقبل من لا أهل له ولا دار في المدينة إلى أن يتدبر أمره ويجد له سكناً ومصدر رزق يعيش منه.
تناول العلماء لأهميتها
وقد تناولها أصحاب السير والمؤرِّخون كثيراً وذلك لأهميتها، وقد اعتنى بجمع أسمائهم ابن الأعرابي، والسُّلمي، والحاكم، وأبو نعيم وغيرهم وفي بعضهم خلاف، وآخر من نشط لجمعهم العلامة الشيخ أبو تراب الظاهري في كتابه «أصحاب الصفَّة».
الصفَّة من حيث المساحة
لم تشر الروايات إلى مساحة الظلة أو عدد صفوفها من الأسطوانات إلا أنه من المؤكد أنها كانت تمتد من شرق المسجد إلى غربه، أما عرضها من الجنوب إلى الشمال فلا توجد روايات تحدد هذه المسافة وتذكر بعض المصادر أن هذه الظلة كانت ثلاثة صفوف من الأعمدة، بكل صف تسع سوارٍ، وقد ضعف بعض العلماء هذا الرأي وقالوا بأنه لا داعي لبنائها بهذه المساحة الكبيرة في البداية، وقد حددها أحد المؤرخين فجعلها صفاً واحداً من السواري.
وهل خصص رسول الله صلى الله عليه وسلم مكاناً للنساء في الصفَّة، يظهر -والله أعلم- أن النبي صلى الله عليه وسلم خصص مكاناً من الصفَّة للنساء فقط، ويدل على ذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع يد سارق سرق ترسا من صفة النساء، ثمنه ثلاثة دراهم. فكلمة «صفة النساء» تفيد بأن هناك موضعاً خاصاً للنساء فقط في الصفَّة.
من هم أهل الصفّة؟
ذُكِر أن أهل الصفَّة كانوا فقراء، كما تفيد المصادر التاريخية أن معظم من نزل الصفَّة كانوا من فقراء المهاجرين الذين لم يجدوا مكاناً ينزلون فيه، وأن أول من نزلها مهاجرو مكة، لذلك نسبت الصفَّة إليهم فقيل صفة المهاجرين، فعن واثلة ابن الأسقع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءهم في صفة المهاجرين، فسأله إنسان: أيُّ آية في القرآن أعظم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم). رواه البخاري. وكذلك كان ينزل بها الغرباء من الوفود التي كانت تقدم على النبي صلى الله عليه وسلم معلنة إسلامها وطاعتها، وكان الرجل إذا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وكان له عريف نزل عليه، وإذا لم يكن له عريف نزل مع أصحاب الصفَّة. فكان أبو هريرة رضي الله عنه عريف من سكن الصفَّة من القاطنين ومن نزلها من الطارقين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد دعوتهم عهد إلى أبي هريرة فدعاهم لمعرفته بهم وبمنازلهم ومراتبهم في العبادة والمجاهدة، فعن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: «إن أصحاب الصفَّة كانوا أناساً فقراء». رواه البخاري.
حال أهل الصفَّة
عاش أهل الصفَّة في فقر شديد، ومعاناة قاسية، وضيق في الملبس والمأكل والمسكن، لم يملكوا شيئاً من حطام الدنيا، لا يأوون إلى أهل ولا إلى مال، إذا صلوا مع الناس خروا من قيامهم في صلاتهم لما بهم من الخصاصة، حتى يقول الأعراب: إن هؤلاء مجانين، فعن أبي علي الجنبي أنه سمع فضالة بن عبيد يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى بالناس يخرّ رجال من قامتهم في صلاتهم لما بهم من الخصاصة -وهم أصحاب الصفَّة- حتى يقول الأعراب: إن هؤلاء مجانين، و يشدون الحجر على بطونهم من الجوع، أكلوا التمر حتى أحرقت بطونهم، وكان ربما لا يأكل الواحد منهم إلا التمرة أو التمرتين، ولم يجتمع لهم ثوبان، ولا حضر عندهم من الأطعمة لونان، وعن واثلة بن الأسقع قال: كنت من أصحاب الصفَّة وما منا أحد عليه ثوب تام، قد اتخذ العرق في جلودنا طرقا من الوسخ والغبار. ومع ذلك كله قنعوا بالقليل من الطعام والخشن من الثياب، ولم يحزنوا على ما فاتهم من متاع الدنيا وزينتها، بل كانت نفوسهم مؤمنة صابرة راضية قانعة بما قسمه الله لهم، أغنياء من التعفف، فرحون بما أعده الله لهم في العقبى. لذا أثنى الله عزَّ وجلَّ عليهم في كتابه العزيز فقال لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا . سورة البقرة الآية (273).
المصادر الاقتصادية لنفقة أهل الصفَّة
لما كان أصحاب الصفَّة أناساً فقراء لا يوجد لهم مالٌ ولا أهلٌ ولا مأوى، جاءت المسؤولية على تأمين نفقتهم على صاحب الدولة فاختار رسول صلى الله عليه وسلم وسائل متعددة ومتنوعة لتأمين معيشتهم، منها:
الصدقة:
كانت الصدقة هي إحدى أهم المورد حيث حث الإسلام المؤمنين بالصدقة عليهم فقال تعالى: وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ * لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ . سورة البقرة (الآية 272 - 273).
الهدية:
كانت الهدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أوجه الإنفاق على أهل الصفَّة، فكلما أهدي إليه صلى الله عليه وسلم هدية، شاركهم فيها. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألحق على أهل الصفَّة، فادعهم لي، قال: وأهل الصفَّة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل، ولا مال ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية أرسل إليهم، وأصاب منها، وأشركهم فيها».
العطايا:
كان النبي صلى الله عليه وسلم ينفق على أهل الصفَّة من الغنائم والفيء الذي يأتيه، ولا يقدم عليهم أحداً؛ لما يعلم من حاجتهم وفقرهم. فلما وصل للنبي صلى الله عليه وسلم سبي، جاء علي وفاطمة رضي الله عنهما يطلبان خادماً يخدمهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله لا أعطيكما، وأدع أهل الصفَّة تطوى بطونهم، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم، وأنفق عليهم أثمانهم...الحديث». رواه الإمام أحمد
الضيافة:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه رضوان الله عليهم باستضافة أهل الصفَّة، كل على حسب قدرته، فينصرف الرجل بالرجل، والرجل بالرجلين إلى عشرة، ويبقى من بقي فيأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعشائه فيتعشى معهم، وكثيراً ما كان يدعوهم إلى تناول الطعام في إحدى حجرات أمهات المؤمنين رضي الله عنهن ولم يكن يغفل عنهم مطلقاً، بل كانت حالتهم ماثلة.
عدد أهل الصفَّة وسعتها
ليس هناك تحديد في عدد أهل الصفَّة، لكن يبدو أنها كانت تتسع لعدد كبير حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم استخدمها في وليمة حضرها ثلثمائة شخص، وإن كان بعضهم قد جلس في حجرة من حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الملاصقة للمسجد كما جاء في حديث الإمام مسلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم عمل وليمة زواجه بزينب بنت جحش رضي الله عنها في السنة الخامسة من الهجرة -أي قبل البناء الثاني للمسجد- حضرها زهاء ثلاثمائة رجل حتى امتلأت الحجرة والصفَّة كما يصف ذلك راوي حديث أنس رضي الله عنه. وروي بأن الأعداد قد تصل ستمائة من الصحابة، وقد ذكر المرجاني في كتابه (43) اسماً، وأوصل عددهم أبو نعيم إلى (97) اسماً، كما رفع عددهم كثيراً السهروري فجعلهم (400) رجل، أما أبو تراب الظاهري فقد جعلهم (94) فرداً، والحقيقة أن عددهم يختلف باختلاف الأوقات وحسب تبدل الأحوال من انتقال بعضهم بمهنة أو عودة للأهل أو الزواج أو الغنى لبعضهم أو شهادة في سبيل الله، كما أنهم يزيدون إذا قدمت الوفود إلى المدينة ويقلون إذا قل الطارقون من الغرباء، على أن عدد المقيمين منهم في الظروف العادية كان في حدود السبعين رجلاً. قال أبو نعيم:» وكان عدد قاطني الصفَّة يختلف على حسب اختلاف الأوقات والأحوال، فربما تفرق عنها وانتقص طارقوها من الغرباء والقادمين فيقل عددهم وربما يجتمع فيها واردوها من الوراد والوفود فينضم إليهم فيكثرون، غير أن الظاهر من أحوالهم والمشهور من أخبارهم غلبة الفقر عليهم، وإيثارهم القلة واختيارهم لها».
وكان الهدف الأول لهؤلاء أهل الصفَّة هو: طلب العلم والتفقه في الدين، وملازمة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليشرب من منهله الصافي ما ينفعه في دينه ودنياه، ويتشرف بخدمته، فقطع أهل الصفَّة للعلم حيث يعتكفون في المسجد للعبادة ويألفون الفقر والزهد، فكانوا في خلوتـهم يصلون ويقرأون القرآن ويتدارسون آياته ويذكرون الله تعالى، فعن عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا هاجر أحد من العرب وكّل به رجلاً من الأنصار، فقال: فقهه في الدين وأقرئه القرآن، فهاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوكل بي رجلاً من الأنصار، ففقهني في الدين، واقرأني القرآن، وكنت أغدو عليه، فأجلس ببابه، حتى يخرج متى يخرج، فإذا خرج ترددت معه في حوائجه، فأستقرئه القرآن، وأسأله في الدين، حتى يرجع إلى بيته، فإذا دخل بيته انصرفت عنه».
وقد اشتهر بعضهم بالعلم وحفظ الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل أبي هريرة رضي الله عنه، فهو أكثر الصحابة رواية للحديث، وأحفظهم، وقد حكى النووي الإجماع على ذلك، ومنهم حذيفة بن أليمان الذي اهتم بأحاديث الفتن وكان يقول: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني» متفق عليه. ومن علمائها أيضاً: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وكان يقول: قرأت من فيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة. رواه الإمام أحمد. قال بعض المفسرين في هذه الآية لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ » هم أهل الصفَّة كانوا نحواً من أربعمائة من فقراء المهاجرين، يسكنون صفة المسجد، يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والجهاد وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولكن انقطاع أهل الصفَّة للعلم والعبادة لم يبعدهم على المشاركة في أحداث المجتمع والإسهام في الجهاد، فبعضهم شاركوا في غزوة بدر ونالوا شرف الشهادة مثل: صفوان بن بيضاء، وخريم بن فاتك الأسدي، وخبيب بن يساف، وسالم بن عمير وحارثة بن النعمان الأنصاري، ومنهم من استشهد بأحد، مثل: حنظلة الغسيل، ومنهم من شهد الحديبية، مثل: جرهد بن خويلد، وأبي سريحة الغفاري، ومنهم من استشهد بتبوك: مثل: عبد الله ذي البجادين، ومنهم من استشهد باليمامة مثل: مولى أبي حذيفة، وزيد بن الخطاب، وبعضهم استشهد يوم بئر معونة.
رعاية النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الصفَّة وتربيته لهم
كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يجلس إلى أهل الصفَّة، يؤانسهم، ويعلمهم، ويوجههم ويرغبهم، ويؤدبهم ويتفقد أحوالهم ويعود مرضاهم، كما كان يكثر مجالستهم ويرشدهم ويواسيهم، إذا أتته صدقة يرسل لهم وإذا أتته هدية يرسل لهم ويشاركهم فيها، وكثيراً ما كان يدعوهم إلى تناول الطعام في إحدى حجرات أزواجه، ويظهر مدى اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الصفَّة أن ابنته فاطمة رضي الله عنها طلبت خادمة من السبايا لأنها تعبت من كثرة أعمالها وهي كانت ضعيفة فرفض رسول الله صلى الله عليه وسلم إعطائها قائلاً: لا أعطيكم وأدع أهل الصفَّة تلوى بطونهم من الجوع».
نهاية الصفَّة
يظهر إن المكوث والجلوس في الصفّة للضرورة قد انتهى بعد فتح مكة، خاصة مع بداية العهد الراشدي، لأن الأسباب والدوافع التي كانت وراء إيجاد هذه الصفَّة وجلوس الصحابة فيها وهي الفقر وعدم وجود مأوى وملازمة النبي صلى الله عليه وسلم للاستفادة من قوله وعمله وكذا خدمته صلى الله عليه وسلم قد انتهت بعد فتح مكة وبعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وقد فتح الله على المسلمين بلاداً كثيرةً واستغنوا عن تلك الحال. قال ابن الجوزي: «هؤلاء القوم إنما قعدوا في المسجد ضرورة، وإنما أكلوا من الصدقة ضرورة، فلما فتح الله على المسلمين، استغنوا عن تلك الحال وخرجوا».
لكن يبدو لي بأن جلوس الصحابة في مكان الصفّة كان موجوداً حتى في العهد الراشدي وليس ذلك للضرورة بل لذكرى تلك الأيام القاسية التي مرت عليهم، والدليل على ذلك ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما تزوّج أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما خرج إلى أهل الصفَّة، فقال: ألا تهنئوني؟ قالوا: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: تزوجت أم كلثوم وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة غير سببي ونسبي».