صبحي شبانة
لم يكن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقف التفاهمات مع إيران مجرد تبدل في موقف تفاوضي، بل كان رسالة سياسية متعددة الاتجاهات، فاللغة التي استخدمها ووصفه النظام الإيراني بأنه ورم سرطاني، والإعلان عن وقف المفاوضات، كلها تعكس انتقالًا من سياسة إدارة الخلاف إلى سياسة رفع سقف الضغوط على النظام الإيراني، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت التصريحات الأميركية تعني نهاية الهدنة غير المعلنة، وإنما ما إذا كانت منطقة الشرق الأوسط كلها أصبحت أمام مرحلة جديدة تختلف عن تلك التي أعقبت المواجهة الأخيرة بين واشنطن وطهران.
الشرق الأوسط يعيش منذ سنوات على إيقاع الأزمات المؤجلة، الحروب لا تنتهي تمامًا، لكنها لا تتحول أيضًا إلى مواجهات شاملة، الجميع يختبر حدود القوة وحدود الصبر، ثم يعود إلى حالة من الاحتواء تحول دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة، ولهذا يصعب الاعتقاد بأن مجرد تصريح سياسي، مهما كان مصدره، يكفي وحده لإشعال حرب جديدة، لكنه بالتأكيد يعيد رسم خطوط التوتر ويزيد منسوب القلق.
لقد أثبتت المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران حقيقة مهمة، وهي أن القوة العسكرية مهما بلغت لا تستطيع وحدها إنتاج استقرار دائم، فبعد الضربات المتبادلة عاد الجميع سريعًا إلى البحث عن مخرج سياسي، واشنطن اكتشفت أن الحرب المفتوحة ستكون باهظة الثمن، وإيران أدركت أن استمرار المواجهة قد يهدد اقتصادها الداخلي ويستنزف ما تبقى من قدراتها العسكرية.
من هنا تبدو تصريحات دونالد ترامب أقرب إلى محاولة استعادة أوراق الضغط أكثر من كونها إعلانًا عن قرار بالحرب، فالرئيس الأميركي يدرك أن أي مواجهة جديدة مع إيران لن تكون عملية عسكرية محدودة، بل قد تتحول إلى أزمة واسعة تمتد آثارها إلى أسواق النفط، والملاحة الدولية، وسلاسل الإمداد العالمية، وربما إلى الاقتصاد الأميركي نفسه، أما إيران فهي تواجه معادلة أكثر تعقيدًا فمن ناحية لا تستطيع أن تظهر بمظهر المتراجع أمام الضغوط الأميركية، لأن ذلك يمس صورتها الداخلية والإقليمية، ومن جهة أخرى فإنها لا ترغب في خسارة المكاسب التي شهدتها علاقاتها مع دول الخليج خلال العامين الماضيين، والتي فتحت أمامها نافذة لتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية عليها.
لقد استثمرت طهران كثيرًا في تحسين علاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وقطر، وأدركت أن الحوار مع الخليج أكثر جدوى من استمرار سياسة الصدام الدائم، ولذلك يصعب تصور أن تبادر إيران إلى خطوات عسكرية واسعة قد تؤدي إلى انهيار هذا المسار، لأنها تعلم أن إعادة بناء الثقة أصعب بكثير من هدمها، وفي المقابل تبدو دول الخليج اليوم أكثر تمسكًا بخيار الاستقرار، فهذه الدول تخوض أكبر عملية تحول اقتصادي في تاريخها الحديث، وتقود مشاريع تنموية ضخمة، وتستعد لاستحقاقات اقتصادية واستثمارية عالمية تجعل الأمن شرطًا أساسيًا لاستمرار النمو، ولهذا فإن أي حرب جديدة قد تمس خططها المستقبلية.
المملكة العربية السعودية تمثل النموذج الأبرز في هذا السياق. فمنذ إطلاق رؤية المملكة 2030 أصبح الاستقرار الإقليمي جزءًا من معادلة التنمية الوطنية، ولهذا جاءت السياسة السعودية قائمة على احتواء الأزمات، وخفض التصعيد، وفتح قنوات الحوار مع مختلف الأطراف، انطلاقًا من قناعة بأن التنمية لا تزدهر في بيئة مضطربة، ولا يبدو أن دول الخليج مستعدة لأن تكون طرفًا في مواجهة أميركية ـ إيرانية جديدة، فهي ترتبط بتحالفات إستراتيجية مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه بنت علاقات متوازنة مع قوى إقليمية ودولية متعددة، وتسعى إلى أن تبقى أراضيها بعيدة عن أي صراع عسكري مباشر.
ويبقى السؤال الأكثر أهمية: هل انتهت بالفعل مهلة الستين يومًا التي تحدث عنها ترامب؟ الواقع أن التجارب السابقة مع الرئيس الأميركي تشير إلى أن تصريحاته كثيرًا ما تكون جزءًا من أدوات التفاوض أكثر من كونها إعلانًا عن سياسات نهائية، فقد اعتاد ترامب الانتقال السريع بين التصعيد والدعوة إلى التفاوض، وبين التهديد وفتح قنوات الاتصال، بما يجعل من الصعب اعتبار أي موقف نهائيًا قبل أن تتضح خطواته العملية، لهذا فإن توقف المفاوضات لا يعني بالضرورة نهاية المسار السياسي، كما أن ارتفاع نبرة التصعيد لا يعني أن الحرب أصبحت حتمية، فالسياسة الأميركية نفسها تقوم على استخدام الضغط الاقتصادي والعسكري لتحقيق مكاسب تفاوضية، وليس بالضرورة للوصول إلى مواجهة شاملة.
في المقابل، تدرك إيران أن الوقت ليس مناسبًا لخوض حرب جديدة، فاقتصادها لا يزال يواجه تحديات كبيرة، والعقوبات لم تُرفع، كما أن الداخل الإيراني يحتاج إلى قدر من الاستقرار يسمح بمعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ولذلك قد تلجأ طهران إلى سياسة الصبر الإستراتيجي، مع الحفاظ على خطاب متشدد يرضي جمهورها الداخلي، دون الذهاب إلى خطوات تفرض مواجهة واسعة، لكن أخطر ما في المرحلة المقبلة ليس الحرب المعلنة، وإنما الحسابات الخاطئة، فالمنطقة مليئة بالفاعلين، وتتشابك فيها المصالح، وقد يؤدي حادث محدود أو سوء تقدير إلى تصعيد لا يريده أحد، ولهذا تصبح قنوات الاتصال، سواء العلنية أو السرية، أكثر أهمية من التصريحات الإعلامية.
لقد تغير الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، لم تعد المنطقة أسيرة الاستقطابات التقليدية، بل أصبحت أكثر ميلًا إلى بناء شراكات اقتصادية، وتنويع التحالفات، والبحث عن الاستقرار باعتباره أساسًا للتنمية، وحتى القوى الإقليمية التي كانت تعتمد على المواجهة المباشرة بدأت تكتشف أن الاقتصاد أصبح أكثر تأثيرًا من السلاح في رسم موازين القوة، لهذا فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس اندلاع حرب شاملة، ولا عودة كاملة إلى طاولة المفاوضات، وإنما استمرار حالة اللا حرب واللا سلم، سيبقى التصعيد حاضرًا في الخطاب السياسي، وستستمر الضغوط والعقوبات والرسائل العسكرية، لكن جميع الأطراف ستسعى في الوقت نفسه إلى منع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة والاكتفاء بالضربات المحدودة من الطرفين.
الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق حقيقي، إما أن تنتصر لغة المصالح التي فرضتها مشاريع التنمية والتكامل الاقتصادي، وإما أن يعود إلى دوامة الحروب، وحتى الآن، تبدو كفة المصالح الاقتصادية هي الأرجح، لأنها أصبحت تمثل القاسم المشترك بين معظم دول المنطقة، بما فيها إيران نفسها، ولهذا فإن السؤال لم يعد: هل تقع الحرب؟
بل أصبح: إلى أي مدى تستطيع الأطراف إدارة خلافاتها دون أن تتحول إلى مواجهة شاملة لا يملك أحد السيطرة على نتائجها؟ فالتاريخ يعلمنا أن الحروب تبدأ أحيانًا بقرار، لكنها غالبًا تنتهي بوقائع لم تكن في حسابات من أشعلها، وفي شرق أوسط يتغير بسرعة، قد يكون الحفاظ على السلام أصعب من خوض الحرب، لكنه يبقى الخيار الأقل تكلفة والأكثر عقلانية بين طهران وواشنطن.