جانبي فروقة
قبل نحو عشرين عاماً كان امتلاك موقع إلكتروني يُعد ميزة تنافسية وبعدها بسنوات أصبح وجود الموقع أمراً بديهياً ثم انتقلت المنافسة إلى جودة الخدمة ثم إلى تجربة المستخدم ثم إلى البيانات وتوجيه العميل، واليوم يتكرر المشهد نفسه مع الذكاء الاصطناعي ولكن بسرعة لم يشهدها التاريخ من قبل وقبل عامين فقط، كان السؤال الذي يطرحه المستثمرون على الشركات الناشئة بسيطاً «هل تستخدمون الذكاء الاصطناعي؟»
أما اليوم فقد تغير السؤال بالكامل وأصبح أكثر حدية وهو «أين نجد القيمة الحقيقية في استخدام الذكاء الاصطناعي عندما يصبح متاحا للجميع؟
قد يبدو السؤال غريباً لكنه في الحقيقة يلخص التحول الأكبر الذي يشهده الاقتصاد العالمي اليوم فالمشكلة لم تعد في ندرة الذكاء الاصطناعي، بل في وفرة الذكاء الاصطناعي في كل ثورة صناعية تبدأ القيمة في مكان ثم لا تلبث أن تهاجر إلى مكان آخر فعندما ظهر النفط كانت القيمة في استخراج البرميل ثم أصبحت في تكريره وبعدها انتقلت إلى الصناعات التي بُنيت فوقه والأمر نفسه حدث مع الكهرباء ثم الإنترنت ثم الهواتف الذكية أما في ثورة الذكاء الاصطناعي فإن رحلة انتقال القيمة تبدو أسرع بكثير ولهذا جاء تقرير The State of the AI Economy «واقع اقتصاد الذكاء الاصطناعي» الصادر عن Exponential View هذا الصيف ليقدم رقماً يستحق التوقف عنده أكثر من أي رقم آخر ففي عام 2023 كانت صناعة الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى نحو180 يوماً حتى تضيف مليار دولار إلى إيراداتها التراكمية أما اليوم فهي تحتاج إلى أقل من يومين فقط وهذا ليس نمواً عادياً، بل هو أحد أسرع معدلات خلق القيمة الاقتصادية التي شهدها أي قطاع تقني في العصر الحديث لكن المفارقة أن هذه المليارات رغم ضخامتها لا تمثِّل حتى نصف في المئة من الناتج المحلي الأمريكي أي أننا لا نزال في بداية القصة لا في نهايتها وهنا يصعد للسطح السؤال الأكثر أهمية وهو إذا كان السوق ينمو بهذه السرعة فمن سيجني الأرباح؟ هل ستكون من نصيب الشركات التي تطور النماذج؟ أم الشركات التي تمتلك مراكز البيانات؟ أم مطوري التطبيقات؟ أم أن القيمة ستذهب إلى مكان آخر تماماً؟ إن التاريخ يقدم لنا الإجابة قبل أن يقدمها التقرير ففي ثمانينيات القرن الماضي كانت شركات تصنيع الحواسيب الشخصية هي نجوم السوق ثم انتقلت القيمة إلى أنظمة التشغيل ثم إلى الإنترنت ثم إلى محركات البحث ثم إلى الهواتف الذكية ثم إلى التطبيقات ولم يكن الفائز هو من صنع الجهاز، بل من اقترب أكثر من المستخدم (العميل) وهذا بالضبط ما يحدث اليوم ومن أكثر الأفكار التي لفتت الانتباه في التقرير أنه لم يتعامل مع «التوكن» Tokenوهو وحدة القياس التي تُحتسب بها كمية النصوص التي يعالجها الذكاء الاصطناعي (تماماً كما تُقاس الكهرباء بالكيلوواط ساعة) باعتباره مجرد مصطلح تقني، بل كشف أنه أصبح وحدة اقتصادية جديدة تُقاس بها تكلفة الإنتاج والقيمة المضافة في عصر الذكاء الاصطناعي.
فالعالم اليوم يشتري الذكاء الاصطناعي بالتوكنز لكن العملاء لا يشترون التوكنز، بل يشترون الوقت ويشترون القرار ويشترون السرعة ويشترون تقليل الأخطاء فالمدير التنفيذي لا يسأل موظفيه كم توكناً استهلكنا هذا الشهر؟ بل يسأل: كم صفقة ربحنا؟ أو كم ساعة وفرنا؟ أو كم تكلفة خفضنا؟ وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي شبيهاً بالكهرباء لا أحد يدفع فاتورة الكهرباء لأنه يحب الكهرباء، بل لأنه يريد أن يعمل مصنعه ولهذا قال أندرو نغ عبارته الشهيرة: «الذكاء الاصطناعي هو الكهرباء الجديدة « ولم يكن يقصد التشبيه التقني، بل الاقتصادي والمفارقة الثانية الأكثر إثارة وهي أنه كلما انخفض سعر الذكاء الاصطناعي ازدادت إيراداته، في أي صناعة أخرى تبدو هذه العبارة متناقضة لكنها في اقتصاد الذكاء الاصطناعي منطقية تماماً فكل انخفاض في تكلفة استخدام النماذج يفتح عشرات الاستخدامات الجديدة التي كانت بالأمس غير مجدية اقتصادياً ولهذا لم يكن انخفاض الأسعار كارثة على الصناعة، بل كان محرك نموها وهو يشبه ما حدث مع الإنترنت فعندما انخفضت تكلفة نقل البيانات لم يقل استخدام الإنترنت، بل انفجر لكن أخطر ما كشفه التقرير لم يكن سرعة النمو، بل سرعة اختفاء الميزة التنافسية ففي عالم الذكاء الاصطناعي ما يعتبر اليوم أحدث نموذج في العالم قد يصبح بعد أشهر قليلة متاحاً للجميع وربما مجاناً وهذا يعني أن بناء شركة كاملة على مجرد الوصول إلى نموذج معين أصبح مخاطرة كبيرة فالنموذج سيتحول عاجلاً أم آجلاً إلى سلعة أما البيانات والثقة والعلاقة مع العميل وفهم السوق فهذه يصعب نسخها ولعل هذا يفسر ما تفعله الشركات العملاقة نفسها ف OpenAI وAnthropic وGoogle لم تعد تكتفي ببيع النماذج، بل بدأت تبني حلولاً جاهزة للمحامين والمبرمجين والأطباء والمؤسسات لأنها أدركت أن القيمة لا تعيش طويلاً في المختبر، بل تنتقل سريعاً إلى مكتب العميل ومثال على ذلك شركة هارفي (Harvey) الشركة الناشئة التي بدأت بفكرة بسيطة تتمثل في مساعدة المحامين على تحليل العقود أعلنت في مارس 2026 عن جولة تمويل بقيمة 200 مليون دولار قادها صندوقا GIC وSequoia لترفع تقييمها إلى 11 مليار دولار بعدما كانت عند 8 مليارات قبل أشهر فقط وفق ما نشرته بلومبرغ وسي إن بي سي واليوم تستخدم هارفي أكثر من 100 ألف محامٍ في أكثر من 1300 مؤسسة قانونية حول العالم بإيرادات سنوية متكررة تقترب من 190 مليون دولار وربماكون أكبر خطأ نرتكبه اليوم هو الاعتقاد بأن سباق الذكاء الاصطناعي يدور بين شركات مثل OpenAI وGoogle وMeta في الواقع هذا ليس سوى السباق الأول وهو سباق بناء النماذج أما السباق الحقيقي فلم يبدأ بعد وهو سباق تحويل هذا الذكاء المتاح للجميع إلى قيمة اقتصادية حقيقية فبعد سنوات قليلة قد يصبح امتلاك نموذج ذكاء اصطناعي أمراً عادياً تماماً كما أصبح امتلاك موقع إلكتروني أو تطبيق للهواتف الذكية لكن ما سيظل نادراً هو القدرة على استخدام هذا الذكاء لحل مشكلة حقيقية أو اختصار ساعات من العمل أو ابتكار خدمة تجعل حياة الناس أسهل بحيث يدفعون مقابلها لأنهم يرون قيمتها لا لأنها تحمل شعار «الذكاء الاصطناعي» ولعل هذا ينسجم مع الفكرة التي دافع عنها الاقتصادي النمساوي جوزيف شومبيتر؛ فجوهر الابتكار ليس التقنية بحد ذاتها، بل القيمة الاقتصادية الجديدة التي تخلقها.
يُروى أن الناس في بدايات القرن العشرين كانوا يعتقدون أن الثورة تكمن في المحرك، لكن التاريخ أثبت أن المحرك لم يكن سوى البداية. أما الثروة الحقيقية فقد صنعتها الشركات التي عرفت كيف تستخدمه لتغيير النقل، والإنتاج والتجارة وحياة البشر والأرجح أن الذكاء الاصطناعي يسير في الطريق نفسه لذلك، ربما لم يكن السؤال الصحيح يوماً: من يملك أفضل نموذج ذكاء اصطناعي؟ بل كان وسيظل: من يعرف الإنسان الذي يستخدم هذا الذكاء، ويفهم المشكلة التي تستحق أن تُحل؟
** **
- كاتب أمريكي