د. فهد بن أحمد النغيمش
لا شك أن محبة الظهور والتميز أمر جبل الله النفوس عليه، وكل يحب أن يكون مذكوراً بما لم يذكر به غيره، ولهذا حذَّر الشارع من التمادي مع هذه الصفة بالباطل والانخداع وراء بريقها الزائل.
فالمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور؛ فعن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما-: «أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن لي جارة -تعني ضرة- هل علي جناح إن تشبعت لها بما لم يعطيني؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) وصور طلب المظاهر الزائفة عديدة ومتنوّعة فما بين نساء أخترعن قانوناً جديداً في اللباس (ما لبس اليوم في مناسبة لا يعاد تكراره فتحولت بيوت بعض الناس إلى مخازن للملابس وامتلأت الجمعيات من تلكم الألبسة! قال الإمام ابن الجوزي: (وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة لا المترفعة ولا الدون، ويتخيرون أجودها للجمعة والعيد ولقاء الأخوان) وما كان الناس يقيسون الرجال بلباسهم، بل بكلامهم وفعالهم، ولذا لما دخل رجل رث الثياب على معاوية فانصرف عنه قال له الرجل: يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك ولكن يكلمك من فيها.. وقس على ذلك الساعات والإكسسوارات والجوالات وعمليات التجميل التي تزاحم على عياداتها العديد من النساء طلباً للمظاهر الخدّاعة والمزيّفة أمام الآخرين.
ومن صور حب المظاهر لدى بعض الناس -هداهم الله-: التفاخر في الولائم والإكثار من أصناف الطعام وألوان الشراب، مما لا يأكل إلا القليل منه وقاعات الأفراح اليوم خاصة فيما يخص النساء تئن من الإسراف في المأكولات والمشروبات أنواع من الحلا والمعجنات وما يصاحبها من مطربات ومغنيات وغيرها مما صار في عرف الأعراس حدثاً مهماً ولازماً من لوازمها دون مراعاة لحرمتها ولحلالها وحرامها ودون اعتبار لهذا الزواج أن يكون مباركاً في بداياته.
ومن الأمور التي يحرص بعض الناس اليوم وقد تظهر عند أصحاب الثراء والنعمة التباهي بالسيارات الحديثة والفخمة التي وجودها أمام بيته أو أمام مقر عمله يعد في نظره مدعاة للتفاخر والتباهي حتى وإن استدان لشرائها.
وقس على ذلك التباهي في الكماليات المنزلية من أثاث منزلي يتم تغييره في كل سنة، بل بصفة دورية بحجة مواكبة الموضة ومتابعة الجديد حتى امتلأت مستودعات الجمعيات ومحلات الأثاث المستعمل بأصناف من الأريكات والأباجورات والسرائر وغيرها ممن يراه فيعتقد أنه لم يستخدم إطلاقاً!
قصة تلك الأم التي حدث عنها النبي -صلى الله عليه الصلاة والسلام- حينما خدعها المظهر، فتمنت لابنها كمالاً خداعاً، ودعت أن يكون ابنها مثل هذا الرجل المظهري، ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- قصتها ليحذر من هذا المسلك، قال: «وكانت امرأة ترضع ابناً لها من بني إسرائيل، فمر بها رجل راكب ذو شارة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، فترك ثديها وأقبل على الراكب، فقال: اللَّهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديها يمصه، قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يمص إصبعه، قال ثم مرت بأمة، فقالت: اللَّهم لا تجعل ابني مثل هذه فترك ثديها، فقال: اللَّّهم اجعلني مثلها، فقالت: لم ذاك؟ فقال: الراكب جبار من الجبابرة، وهذه الأمة يقولون سرقت زنيت ولم تفعل» متفق عليه.
أراد الله أن يعطي الأم درساً في أن لا ينخدعوا بالمظاهر الجوفاء ولا بما يقال، وأن تفتش وتنظر في حقائق المتكئين على المظاهر، حينما يبنون حياتهم على أمجاد موهومة، ويصفون أنفسهم في غير مصافها فلا بالركب لحقوا، ولا بالحقيقة رضوا وقنعوا، كالقابض على الماء بيده أصابها بلل الماء ولم يمسك منه شيئاً.
ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض
على الماء خانته فروج الأصابع
انظر إلى من يدعى إلى المناسبات ويقدم في المجالس ترى عجباً ومقياساً ينم أن الناس يقيسون بعضهم بعضاً بالمناصب والدراهم والعنصرية المقيتة! ونسوا وتناسوا أن الناس تقاس ببواطنها لا بمظاهرها، بحقائقها ومواقفها لا بصورها. عن سهل الساعدي -رضي الله عنه- أنه قال: مر رجل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال لرجل عنده جالس: «ما رأيك في هذا؟» فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إذا خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع لقوله، قال: فسكت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم مر رجل فقال له رسول -صلى الله عليه وسلم-: «ما رأيك في هذا؟» فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يسمع لقوله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا». في لفتة منه صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه لتصحيح المفاهيم والنظرات حول ميزان الرجال!
رفقاً -يا طالباً للمظاهر فلا -والله- السعادة ولا ميزان العقلاء في بيت تتكلف فيه ما لا قدرة لك عليه إلا بديون ثقال، فبعض المتاع يغني عن بعضه، ورفقاً أيها النساء فليس ميزانك عند ربك في فستان يشترى بألاف الريالات ومن ثم يلبس مرة واحدة ويكون من سقط المتاع وليست الموضة في عباءة، مُلئت زخرفة وفتوناً وقلة للحياء، ليست المفاخرة بأن تكوني أحسن من فلانة أو علانة ومناسبتك أكثر غلاء وفحشاً من الأخريات محملة لنفسك ولزوجك إثم الإسراف وثقل الديون في كماليات وتفاهات ما أنزل الله بها من سلطان!
رفقاً يا من حمَّلتم أنفسكم ديوناً تلاحقكم لتشتروا مركوبات فاخرة، ما حملكم على ذلك إلا لتكون مثل فلان مظاهر ومفاخرة؟
رفقاً يا أصحاب الرتب والوظائف، فقادة الأرض نزلوا يوماً عن عروشهم إلى قبورهم، فعن قريب تغادر مكانك.
رفقاً يا قومنا في الزواجات والأفراح والمناسبات حملتنا شهواتنا وتفاخرنا ونساؤنا فزيفنا مناسبتنا بغية المديح والقول المليح في تمظهر خادع قوامه ثلاث ساعات، ونحوه، وخسارته آلاف مؤلفة.
رفقاً -أيها الشباب-، ليس الجوال وآخر موديلاته، ولا اللباس وآخر موضاته، ولا قصات الشعر وآخر صيحاته، ليست هي موازين الرجال، وليست ممكن الأنس الحقيقي.
رفقاً يا من ملأت مجالسك وأذان سامعيك بثرائك وأموالك وسفراتك، وقصصك ووعودك، وهي في الحقيقة بعضها أو جُلُّها زيفٌ وكذب وتمظهرٌ ممقوت تريد به أمام الناس تجملاً والناس وإن تبسموا أمامك ورفعوا حواجبهم مجاراة لك إلا أنهم في حقيقة أنفسهم يزدرونك ولا يصدقونك، والأيام كفيلة بإخراج الزيف والمزيفين.
وأخيراً ليس من حب المظاهر المذمومة لبس الجميل ولا ركوب الجميل من السيارات، ولا سكنى الجميل من المنازل، بشرط أن تكون لها مستطيعٌ غير متكلّف إياه ولا مباهٍ ومتغرطس بها، فالله جميلٌ يحب الجمال، وما دام أنك تعلم وتوقن أن هذه ليست موازين منازل الناس الحقيقية، وإنما هي نعم يعطيها الله من يحب ومن لا يحب، وأن الميزان الحقيقي وهو التقوى، ولا يعطيها الله إلا من يحب: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} فليهنأك مركبك وملبسك ومنزلك.