فائز بن سلمان الحمدي
إنَّ أعجبَ ما يُبتلى به الإنسانُ أن يستخفَّ بالكلمة؛ إذ يراها نفثةً من فم، أو همسةً ذاهبةً في ليل مجلس، أو سطرًا عجلًا في صحيفةٍ أو رسالة، وما درى أنها ليست حرفًا يخرج من الشفتين، ولكنها قدرٌ يخرج من اللسان، ثم يمضي في الناس ساعيًا بما أودع الله فيه من سننه؛ فيرفع بها أقوامًا، ويضع آخرين، ويجمع بها بعد فرقة، أو يفرق بها بعد اجتماع. ولو علم قائلها أنها إذا فارقت فمه لم تفارق كتاب ربِّه، لاستثقلها قبل أن ينطق بها، ولرأى لسانه أضيق عليها من أن يرسلها بغير روية؛ فإن الله جلَّ جلاله قد ردَّ كلَّ لفظٍ إلى حسابه، فقال:
{مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، فكأن الكلمة لا تخرج من فم صاحبها حتى تقع أولًا في يد القدر، ثم تُرفع بعد ذلك إلى صحيفة الأبد. وما الكلمة إلا روحٌ تُلبس الحروف؛ فإن طابت روحها سرت في القلوب سريان النور في الفجر، لا تُرى وهي تعمل، ولكن تُرى آثارها في النفوس وقد لان قاسيها، وانجبر مكسورها، واصطلح متهاجرها. وإن خبثت، جرت فيها جريان السم في العروق؛ لا تستأذن قلبًا إذا دخلته، ولا تستأمر عقلًا إذا استولت عليه، حتى تقلب اليقين ريبة، والصفاء دخنًا، والمودة وحشة، ثم لا يزال الشر ينمو من شرارته كما تنمو النار من شرارةٍ أُلقيت في هشيمٍ يابس.
ولذلك لم يجعل القرآن الكلمة صوتًا يُسمع، بل جعلها شجرةً تُغرس؛ فإن كانت طيبةً أثمرت، وإن كانت خبيثةً أفسدت. وما أعظم هذا التصوير الإلهي، وما أبلغه في كشف حقيقة اللفظ؛ فإن الشجرة قد يغيب غارسها ويبقى ظلها وثمرها، وكذلك الكلمة، قد يغيب قائلها في التراب، ولا تزال كلمته تثمر خيرًا أو شرًّا في قلوب الأحياء. ولئن كان الناس يحسبون أن الخراب يبدأ من السيوف، فإنما السيوف آخر ما يعمل، وأما أول الخراب فلفظةٌ ضلت عن التقوى، ثم وجدت أذنًا تستطيبها، وقلبًا يصدقها، ولسانًا يزيد فيها، حتى تبلغ غايتها من الفساد. فما أكثر دارٍ لم تهدمها الفاقة، ولا أسقطتها الخطوب، وإنما هدمتها كلمة. وما أكثر أسرةٍ كانت الرحمة سقفها، والمودة جدارها، حتى مرَّ بها لسانٌ لا يعرف لله في أعراض عباده حرمة، فألقى كلمةً، ثم انصرف، وبقيت هي تعمل بعده عمل المعاول في أساس البناء، حتى إذا انهار، قال الناس: تهدم البيت، وما تهدم البيت، ولكن تهدمت الكلمة أولًا، ثم سقطت الحجارة بعد ذلك تبعًا لها.
وكم من زوجين عقد الله بين قلبيهما ميثاقًا غليظًا، فلم يجد الشيطان سبيلًا إلى نقضه، حتى وجد لسانًا ينوب عنه، فدسَّ بينهما كلمةً خرجت في ثوب النصيحة، وهي في حقيقتها سمٌّ يسري في العروق. فما تزال تلك الكلمة تعود إلى القلب كلما خلا بنفسه، حتى تُبدل حسن الظن تهمة، والسكينة قلقًا، والرحمة قسوة، ثم لا يزال الشك يأكل من ذلك الميثاق كما تأكل النار الحطب، حتى لا يبقى منه إلا رماد الذكرى. وكم من أخوين جمعتهما الرحم، وربطت بينهما الأيام من عرى البر ما حسب الناس أنه لا ينفصم، ثم جاء صاحب لسانٍ خفيفٍ في منطقه، ثقيلٍ في وزره، فألقى بينهما كلمةً، فلم تكن إلا كالمسمار يُدق في الجدار؛ ضربةً واحدة، ولكنها تُحدث في البنيان صدعًا لا يراه الناس إلا بعد حين. وهكذا يفعل اللسان إذا خلا من خشية الله؛ فإنه يهدم في ساعةٍ ما تعجز السنون عن بنائه. ولمَّا كان أكثر فساد الكلام ناشئًا من الاسترسال فيه، جعل النبي صلى الله عليه وسلم النجاة كلَّها في ميزانٍ واحد، فقال: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». ولم يقل: فليكثر الخير، وإنما جعل الخير نفسه حدًّا للكلام؛ فما جاوزه إلى غيره فالصمت أكرم للسان، وأحفظ للدين، وأسلم للقلوب. فكأن الصمت عند فقدان الخير ليس تركًا للكلام، بل هو كلامٌ عند الله، لأن صاحبه نطق بالحكمة وإن لم ينطق بالحروف. ثم انظر كيف جعل الله علاج فتنة الألسنة في كلمةٍ واحدةٍ تجمع الدين كله: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. ولم يقل: الحسنة، لأن بين الحسن والأحسن منازل لا يبلغها إلا من هذب الله قلبه. فقد تكون الكلمة حقًّا، ولكنها ليست أحسن ما يقال، وقد يكون الصدق واجبًا، ولكن طريقته قد تكون ظلمًا، وقد تكون النصيحة خيرًا، ولكن أسلوبها يفسدها، فجاء القرآن يطلب من المؤمن أن يرتقي من مجرد الصواب إلى كمال الإحسان؛ لأن الشيطان لا يجد مدخلًا إلى النفوس أعظم من كلمةٍ صادقةٍ قيلت في غير موضعها، أو حقٍّ أُخرج في ثوبٍ من الغلظة والكبرياء.
ولقد صار اللسان في هذا الزمان ألسنةً، وصارت الكلمة ريحًا لا جدار لها؛ تنطلق من إصبعٍ إلى الآفاق، ثم تعود بعد ساعاتٍ وقد فرقت بين متحابين، وأفسدت بين متآلفين، وأورثت قلوبًا بريئةً من الأحزان ما لا يعلمه إلا الله. ويحسب كاتبها أنه كتب جملةً ثم مضى، وما علم أنه ربما كتب فصلًا كاملًا من شقاء إنسان، أو بابًا من خراب بيت، أو صفحةً من صحيفة سيئاته.
وما أشد ما يهز القلب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يُلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم.» فما موطن الخوف في الحديث أنه تكلم، وإنما أنه لا يُلقي لها بالًا؛ إذ المصيبة ليست في اللسان حين ينطق، وإنما في القلب حين يستهين. فمن هانت عليه الكلمة، هان عليه ما تهدمه، وهان عليه ما تجره من الآثام، حتى إذا وقف بين يدي الله وجد أن اللفظة التي لم تعش على لسانه إلا ومضةً، قد عاشت في صحيفته عمرًا، وعاشت في قلوب الناس جراحًا، وعاشت في الأرض خرابًا. فيا ويح ابن آدم! ما أخفَّ الكلمة على طرف لسانه، وما أثقلها في ميزان ربه! إنها إذا خرجت من فمه لم تعد ملكًا له، بل صارت ملكًا لعواقبها؛ فإن كانت رحمةً عادت عليه رحمة، وإن كانت فتنةً بقي يجني ثمرتها المُرَّة ما بقي أثرها في الأرض. وربَّ كلمةٍ مات قائلها، ولم تمت هي؛ لأنها تركت وراءها قلبًا مكسورًا، أو رحمًا مقطوعة، أو بيتًا خربًا، أو دمعةً لا تزال تسيل في خفاء الليل، والله سبحانه لا يضيع من الحساب شيئًا، ولا يغفل عن أثرٍ أحدثته كلمة، وإن ظن صاحبها أنها ذهبت مع الهواء.
فطوبى لمن جعل بين قلبه ولسانه حارسًا من تقوى الله، فلا يدع الكلمة تخرج حتى تمر على ميزان الحق، فإن صلحت أطلقها، وإن فسدت دفنها في صدره؛ فإن الكلمة المحبوسة لا يُسأل عنها صاحبها، وأما الكلمة المطلقة فقد تصبح قاضيًا عليه يوم يلقى الله، يوم لا ينفع اعتذار، ولا يرمم انكسار، ولا يُعاد بيتٌ هدمته كلمة، ولا قلبٌ قتلته عبارة.