رمضان جريدي العنزي
علمتني الحياة أن العمر ليس بعدد السنين، بل بما نتركه من أثرٍ جميل، وما نغرسه في القلوب من خير، وما نصنعه من معروفٍ يبقى بعد الرحيل.
علمتني الحياة أن الناس ليسوا سواء؛ فمنهم من يمر بك فيترك في روحك نورًا لا ينطفئ، وذكرًا طيبًا لا تذروه الأيام، ومنهم من يترك جرحًا يعلّمك أن الثقة لا تُمنح إلا لمن استحقها.
علمتني الحياة أن الكرامة أغلى من كل مكسب، وأن الصمت في مواضع كثيرة أبلغ من آلاف الكلمات، وأن الاعتذار لا ينقص الكريم، كما أن التواضع لا يرفع صاحبه إلا رفعةً ومهابة.
علمتني الحياة أن القلوب الصادقة لا تحتاج إلى ضجيج، وأن المعروف الحقيقي يُصنع في الخفاء، وأن الأيدي التي تمتد بالعطاء لا تنتظر تصفيقًا ولا ثناءً.
علمتني الحياة أن الدنيا لا تدوم لأحد؛ فلا فرحٌ يبقى، ولا حزنٌ يستمر، وأن الأيام دول، تُبدِّل الأحوال، وتكشف معادن الرجال، وتُسقط الأقنعة مهما طال بقاؤها.
علمتني الحياة أن أوثق الناس ليس أكثرهم كلامًا، بل أكثرهم وفاءً، وأن الوعد دين، وأن الكلمة إذا خرجت من فم الحر أصبحت عهدًا لا يليق به أن ينقضه.
علمتني الحياة أن خير ما يدَّخره الإنسان ليس المال ولا الجاه، وإنما دعوةٌ صادقة من قلبٍ أحسنت إليه، وأثرٌ كريم يذكرك به الناس إذا غبت، ورحمةٌ يكتبها الله لك في الأرض والسماء.
علمتني الحياة إن أثمن القلوب قلب نقي، ولسانٍ صادق، وعملٍ خالص، وضميرٍ لا يساوم على الحق، فذلك هو الزاد الذي يبقى حين يرحل كل شيء.
علمتني الحياة إن الدنيا تتقلب في أفراحها وأتراحها، ولها مواسم رخاء وسعة، ومواسم ضيق وشدة، وأن الدنيا ليست كما تُرى بالأبصار، بل كما تُدركها البصائر.
علمتني الحياة أن الزمن ليس مجرد صفحاتٍ تُطوى، بل محكمةٌ عظمى، لا تُخطئ في أحكامها، تكشف معادن الرجال، وتُعرّي الزيف، وتردُّ كلَّ امرئٍ إلى حقيقته، مهما أحسن ارتداء الأقنعة، وأطال الإقامة في مواكب الادعاء.
علمتني الحياة أن النفوس كالأرض؛ منها ما إذا لامسته أحياك، ومنها ما إذا دنوت منه أظمأك، وأن الإنسان لا يُعرف بطول حديثه، ولا بعلو صوته، ولا بزخرف شعاراته، وإنما يُعرف ساعة الحاجة، ويُوزن يوم الشدائد، ويظهر جوهره حين تغيب المصالح.
علمتني الحياة أن أجمل الناس أولئك الذين يعبرون حياتك فيتركون فيها سكينةً لا تنقضي، وأثرًا لا يمحوه الزمن، وذكرًا طيبًا يزهر في القلب كلما مرَّت السنون.
علمتني الحياة إن أشدَّ الناس فقرًا أولئك الذين يملأون الدنيا ضجيجًا، ثم ينصرفوا منها ولم يتركوا وراءهم إلا الفراغ المخيف.
علمتني الحياة أن الكرامة تاجٌ لا يليق به الانحناء، وأن العزَّ لا يُستعار من أحد، وأن من اعتاد الوقوف على أبواب الخلق، هان في عينه قدر نفسه، أما من علَّق رجاءه بربه، فقد استغنى وإن قلَّ ما في يده.
علمتني الحياة أن المعروف إذا صاح باسمه فقد بعض جماله، وأن الصدقة إذا طلبت التصفيق نقص أجرها، وأن الخير كلما خفي عظم في ميزان الله، وأن الأعمال الخالصة لا تحتاج إلى شهودٍ من الناس، لأن الله وحده يكفيها شاهدًا.
علمتني الحياة أن العيش فيها قصير، أرقى أن تُستنزف في الخصومات، وأعزُّ من أن تُهدر في ملاحقة الصغائر، وأن أبهى صور الانتصار أن تمضي في طريقك مستقيمًا، غير ملتفتٍ إلى من شغلتهم بك عيوبهم.
علمتني الحياة أن الوعد ميثاقُ الشرف، والكلمة أمانة، وأن الرجل قد يخسر ماله ثم يعوِّضه، وقد يفقد جاهه ثم يسترده، أما إذا سقطت هيبته بسبب إخلاف وعده، فإن ما انكسر في القلوب لا تُصلحه الأعذار.
علمتني الحياة أن الناس جميعًا راحلون، فلا يبقى منهم إلا أثرٌ صالح، أو ذكرٌ طيب، أو دعوةٌ صادقة خرجت من قلبٍ جبرته، أو دمعةُ يتيمٍ مسحتها، أو كربةُ مكروبٍ فرَّجتها، أو حقٌّ أقمته، أو باطلٌ دفعته.
ولذلك أيقنت أن أعظم ما يورِّثه الإنسان بعد رحيله ليس ثروةً تُقسم، ولا منصبًا يُنسى، ولا اسمًا يُنقش على حجر، وإنــمــا سيرةٌ عطــرةٌ تتناقلها الألسن بالدعــاء، وأثرٌ نبيلٌ يبقى شاهدًا له عندما يغيب جسده عن الدنيا، لأن الأعمار تنتهي، أما المكارم فلا تموت تبقى حية وشاهدة.