د. سجى عارف
إن الحديث عن صحافة موجهة للاحتياجات الوطنية ليس توصيفًا إنشائيًا، بل هو إطار علمي ومهني جديد، يقوم على إعادة تعريف وظيفة المؤسسة الصحفية، بحيث تنتقل من نموذج التفاعل مع الحدث إلى نموذج العمل وفق أولويات الوطن، هذا التحول ليس تجميليًا، بل بنيويًا ويحتاج إلى هندسة جديدة لغرف الأخبار، وإلى صحفيين يمتلكون أدوات التحليل، والبحث والتفسير، والقدرة على قراءة الاتجاهات الوطنية في سياقها الأوسع.
الاحتياجات الوطنية هي البوصلة الجديدة للإعلام، خاصة إنها تتحدد من خلال منظومة متكاملة تشمل خطط الوزارات، ومؤشرات الرصد الوطنية، والتغيرات الاجتماعية، والتحولات الاقتصادية، والتحديات المعلوماتية، وكذلك مشاريع الدولة الكبرى، هذه الاحتياجات ليست ثابتة، بل ديناميكية تتطلب إعلامًا قادرًا على مواكبتها بل واستباقها.
إن الصحافة التي تُبنى وفق هذه الاحتياجات تصبح أكثر قدرة على خدمة المجتمع والدولة التي تعيش بها، لأنها تعمل وفق أولويات واضحة ومنها تعزيز الهوية الوطنية، ودعم التحول الاقتصادي، ورفع جودة الوعي العام، وحماية الأمن المعلوماتي، بالإضافة إلى تمكين الفئات غير المرئية، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وبناء المعرفة الوطنية القابلة للاستخدام وصناعة القرار، وهذا النموذج يضع الإعلام في مكانه الطبيعي كونه شريكًا في التنمية لا مجرد مراقب لها.
في مقالتي السابقة، ذكرت أن غرف الأخبار التقليدية لم تعد قادرة على مواكبة هذا التحول، لذا مطلوبٌ منها اليوم أن تتحول لغرف أخبار تعمل وفق خرائط الاحتياج الوطني لا وفق جدول النشر اليومي. غرف تمتلك وحدات تحليل بيانات، ووحدات رصد مجتمعي، ووحدات سياسات وطنية، ووحدات محتوى متخصص، ووحدات استشراف إعلامي. وهذه الهندسة ضرورية لأنها تجعل المؤسسة الصحفية قادرة على إنتاج محتوى يخدم الدولة ويعزز الوعي ويقدم حلولًا ويشارك في بناء المستقبل.
هنا يتحول الصحفي من ناقل للمعلومة إلى خبير وطني بل يصبح محللًا قادرًا على تفسير التحولات، وباحثًا يمتلك أدوات التحقق والتحليل، وصانعًا للمعرفة مقدمًا لمحتوى يثري القارئ، مما يجعله أيضًا مشاركًا في بناء الوعي الوطني، وجزءً أصيلًا من منظومة الحلول لا منظومة الوصف، وهذا التحول يُعيد للمهنة الاعتبار، ويرفع من مكانة الصحفي ويجعل دوره أكثر تأثيرًا في المجتمع والدولة.
نحن بحاجة لهذه المهنية فمملكتنا تعيش مرحلة تاريخية من التحول الاقتصادي والاجتماعي والتنموي والرقمي، ولأن المشاريع الوطنية الكبرى تحتاج إلى إعلام قادر على مواكبتها، وشرحها وتفسيرها ودعمها وتعزيز الوعي بها، بل إن التحديات المعلوماتية العالمية تتطلب إعلامًا وطنيًا قادرًا على حماية الوعي العام، ومواجهة الأخبار الزائفة والحروب الإلكترونية والفتن والشائعات، وكذلك تقديم محتوى موثوق عميق مبني على المعرفة. بالإضافة إلى أن لمجتمعنا السعودي حقاً مستحقاً أن نكون أهلًا له فهو يستحق إعلامًا يليق بطموحه، ويعكس قيمه ويخدم مستقبله.
ومن هذا المنبر أوجه دعوتي للتعاون مع مؤسساتنا الصحفية لتأسيس مركز وطني تحت مظلة هيئة الصحفيين السعوديين يعمل على تحليل الاحتياجات الوطنية إعلاميًا، ويصدر تقارير سنوية للجهات الحكومي والإعلامية، ويدرب الصحفيين على أدوات التحليل والرصد عبر استقطاب الكفاءات الوطنية والخبرات الممارسة للمجال بالاتفاق مع الجهات التي يعملون بها كنوع من المسئولية المجتمعية للجهات والأفراد ليقاس بها دورهم المجتمعي في تطوير الوطن، بالإضافة إلى دعم غرف الأخبار في بناء محتوى متخصص، وتطوير مؤشرات جاهزية الإعلام الوطني وتعزيز التكامل بين الإعلام وصناع القرار، هذه المبادرة يمكن أن تكون أحد المشاريع الوطنية لتطوير الإعلام السعودي وتأسيس نموذج جديد للإعلام الموجه بالاحتياجات الوطنية.
ولنعي جيدًا أن الإعلام الذي يفهم وطنه، هو الإعلام الذي يصنع مستقبل بلده، فالصحافة الموجهة بالاحتياجات الوطنية ليست فكرة نظرية بل مشروع إصلاحي قابل للتطبيق، ويحتاج مهنية ورؤية وخبرة وإرادة تنفيذ، وهو امتداد طبيعي لمسار المملكة في بناء إعلام حديث مؤثر وطني قادر على المنافسة عالميًا لا شاهد عليها.