د. محمد بن عبدالله آل عمرو
تعد قصة موسى والخضر عليهما السلام الواردة في سورة الكهف من أعظم القصص القرآنية التي تجمع بين التربية والإيمان والبلاغة، فهي ليست مجرد سرد لأحداث تاريخية، وإنما مدرسة متكاملة في آداب طلب العلم، وفي حسن الظن بالله، وفي دقة التعبير القرآني الذي تتجلى فيه الحكمة في اختيار الألفاظ والحروف.
تبدأ القصة بمشهد يفيض تواضعًا، إذ يقول موسى عليه السلام للخضر: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا}. وتكشف هذه الآية عن جملة من الآداب التربوية الرفيعة؛ فموسى، وهو نبي من أولي العزم، لم يتحدث بلغة الندية، وإنما جاء مستأذنًا بقوله: {هَلْ أَتَّبِعُكَ}، ثم قيَّد هذا الاتباع بقوله: {عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ}، وهو تعبير يفيد معنى الاشتراط في السياق، أي أن موسى يعرض أن يكون تابعًا للخضر، ملازمًا له، ملتزمًا بأدب المتعلم، في سبيل أن يتلقى منه ما آتاه الله من العلم.
ومن اللطيف أن هذا التعبير يذكرنا بقوله تعالى في قصة شعيب وموسى عليهما السلام: {عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ}، حيث جاءت عبارة {عَلَى أَن} أيضًا للدلالة على وجود شرط بين الطرفين، غير أن الفارق أن الشرط هناك كان في إطار عقد ومعاوضة، أما في قصة الخضر فهو شرط تربوي ينظم العلاقة بين المعلم والمتعلم، ويؤكد أن العلم لا ينال إلا بالتواضع والملازمة والصبر.
ولم يكتف موسى بطلب التعلم، بل قال: {مِمَّا عُلِّمْتَ}، فلم يدّع الإحاطة بكل شيء، ولم يطلب جميع العلم، وإنما بعضه، ثم ختم طلبه بكلمة: {رُشْدًا}، وكأنه يقرر أن الغاية من العلم ليست كثرة المعلومات، وإنما الوصول إلى الرشد والهداية. وتنتقل القصة بعد ذلك إلى مشاهد تبدو في ظاهرها متناقضة مع ما ألفه الناس من معايير العدل؛ خرق سفينة المساكين، وقتل الغلام، وإقامة الجدار في قرية رفض أهلها إكرام الضيفين. وهنا تتجلى أعظم رسالة تربوية في القصة، وهي أن الإنسان لا ينبغي أن يحكم على الأحداث من ظاهرها، فقد يكون ما يراه شرًا محضا، بابًا لخير عظيم، وقد يكون ما يظنه خسارة هو عين الرحمة التي يدخرها الله لعباده.
ومن أروع دقائق البلاغة في القصة اختلاف نَسبُ الإرادة في تفسير هذه الأفعال. فعند خرق السفينة قال الخضر: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا}، فنسب إرادة العيب إلى نفسه تأدبًا مع الله. وعند قتل الغلام قال: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا}، فجاء بضمير الجمع؛ لأن الحدث يجمع بين التنفيذ بأمر الله وبين ما يترتب عليه من رحمة إلهية. أما عند إقامة الجدار، وهو خير محض، فقال: {فَأَرَادَ رَبُّكَ}، فنسب الخير إلى الله وحده. ثم ختم بقوله: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي}، ليقرر أن جميع هذه الأفعال كانت بوحي من الله، وأن اختلاف الضمائر إنما هو من كمال الأدب في الخطاب مع الله سبحانه وتعالى.
ومن اللطائف البلاغية التي تستوقف المتدبر أيضًا اختلاف التعبير بين قوله تعالى: {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا}، وقوله في نهاية القصة: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا}. فقد جاءت الكلمة أولًا بصيغتها الكاملة «تستطيع» عندما كانت المشقة في بدايتها، ثم خففت إلى {تَسْطِعْ} بعد انكشاف الحقائق وزوال الإشكال، فكأن خفة اللفظ جاءت مناسبة لخفة المعنى بعد انقضاء الامتحان. وهذا الأسلوب يتكرر في السورة نفسها في قوله تعالى: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا}، فحذف التاء في الأمر الأخف، وأثبتها في الأمر الأشد، في صورة بديعة من صور التناسب بين اللفظ والمعنى.
إن هذه القصة تعلمنا أن طالب العلم لا يبلغ مراده إلا بالتواضع، وأن المعلم الصادق يبين لتلميذه صعوبة الطريق قبل أن يرافقه، وأن الإنسان لا ينبغي أن يستعجل الأحكام قبل اكتمال الصورة، وأن وراء أقدار الله حِكمًا قد تخفى على العقول، لكنها لا تغيب عن علم الله وحكمته.