هدى بنت فهد المعجل
نعيش اليوم في مجتمعٍ نُقِلَتْ فيه منصات العرض من مسارح الفن إلى تفاصيل الحياة اليومية. لقد تحول الإنسان المعاصر، مدفوعاً بحمى الرغبة في إثارة الإعجاب، من عيش حقيقته إلى «إخراج» تفاصيلها وتوثيقها؛ فباتت الوجبة لا تُؤكل لمذاقها بل لشكلها في الصورة، والرحلة لا تُعاش لبهجتها، بل لعدد المتابعين الذين يشاهدونها.
إنها معضلة «الوجود المشروط بالرؤية»، حيث غدونا نشعر أن اللحظة التي لا تُصوَّر ولا تُنشر هي لحظة لم تحدث أصلاً. هذا الهوس بالاستعراض خلق بيئة اجتماعية مشحونة بالتصنّع؛ فنحن نتفنن في نحت صورٍ مثالية عن ذواتنا، ونرتدي أقنعةً برّاقة تُخفي وراءها تعبنا الإنساني الطبيعي، وشكوكنا، وإخفاقاتنا. صرنا نخشى أن نكون عادِيّين، في زمنٍ يُمجّد الإبهار المزيف.
الخطورة في هذا التحول الاجتماعي لا تكمن فقط في خسارة العفوية، بل في تلك المقارنات الصامتة والمدمرة التي تحدث خلف الكواليس. فحين يشاهد الفرد يوميات الآخرين المنتقاة بعناية، يتسلل إليه شعورٌ خفي بالدونية والنقص، وتتحول منصات التواصل من مساحات للإلهام إلى ساحات للمنافسة الشرسة على ادّعاء السعادة.
إننا بحاجة عميقة إلى العودة إلى «أصالة الأشياء». إلى استمتاعٍ لا يحتاج إلى توثيق، وفرحٍ لا ينتظر تصفيقاً من غرباء، وحزنٍ يُعاش بكرامة دون استجداء للتعاطف. الشجاعة الحقيقية اليوم هي أن نجرؤ على أن نكون أنفسنا، بعيوبنا ونقصنا البشري الجميل، بعيداً عن أضواء المسرح الافتراضي. فالحياة أثمن من أن تقضيها في تمثيل دورٍ يعجب الجمهور، بينما يغترب فيه قلبك.