حذامي محجوب
نرتكب، في بعض الأحيان، خطأ جميلاً في بدايته، مؤلما مع الأسف في نهايته.
نعتقد أن الحب وحده قادر على أن يحمل علاقة إلى الأبد، وأن المشاعر الأولى تكفي لمواجهة كل ما ستقذفه الحياة في الطريق من تعب واختلاف وصمت وخيبات.
لكن الحياة، في حكمتها القاسية، تعلّمنا أن الحب يولد في لحظة ما، أما بقاؤه فيحتاج إلى عمر كامل من الرعاية.
ولعل أكبر أوهامنا أننا نبحث عن شريك الحياة كما لو كنا نقرأ سيرة ذاتية، لا سيرة إنسانية.
نسأل عن الشهادة قبل الأخلاق، وعن المهنة قبل الرحمة، وعن الراتب قبل الحنان، وعن المكانة الاجتماعية قبل القدرة على الاحتواء. نطمئن إلى ما يملكه الإنسان، بينما نتجاهل ما يسكن قلبه.
ثم نفاجأ بعد سنوات بأن علاقة بدت كاملة في أعين الناس، انهارت عند أول اختبار، بينما استطاعت علاقة أخرى، متواضعة في كل شيء إلا في صدق أصحابها، أن تصمد أمام العواصف لأنها امتلكت ما هو أثمن من كل مظاهر الكمال: إرادة صادقة لأن تستمر.
فالعلاقات لا يهزمها اختلاف التعليم، ولا تفاوت الطبقات، ولا ضيق الرزق، ولا اختلاف البيئات.
ما يهزمها حقاً هو أن يشعر أحد الطرفين بأنه أصبح وحيداً داخل العلاقة.
أن يتوقف السؤال، ويبهت الاهتمام، ويصبح الصمت أطول من الحوار، ويظن أحدهما أن الحب، لأنه وُجد يوما، سيبقى إلى الأبد دون أن يعتني به أحد.
والحب، في حقيقته، ليس سوى البذرة الأولى.
أما الشجرة فلا تكبر إلا بمن يسقيها كل صباح، ويزيل عنها غبار الأيام، ويحميها من برد الإهمال.
وما أكثر العلاقات التي لم تمت لأن الحب غادرها، بل لأنها تُركت عطشى حتى ذبلت بصمت.
أجمل العلاقات ليست تلك التي لا تعرف الخلاف، فذلك وهم لا يوجد إلا في القصص. أجملها هي التي يعرف فيها الطرفان كيف يختلفان دون أن يكسر أحدهما قلب الآخر، وكيف يغضبان دون أن يهينا، وكيف ينتصران للعلاقة قبل أن ينتصرا لأنفسهما.
فالحب الحقيقي لا يُقاس بعدد الأيام الجميلة، بل بطريقة عبور الأيام الصعبة.
وهنا يظهر ذلك الكنز الذي لا تمنحه الجامعات، ولا تمنحه المناصب، ولا يمكن أن تختصره شهادة معلقة على جدار.
إنه الذكاء العاطفي، تلك القدرة النادرة على أن تسمع ما لم يُقل، وأن ترى الدموع قبل أن تنزل، وأن تفهم الصمت حين تعجز الكلمات.
إنه رسالة تصل في وقت التعب، وسؤال صادق لا يبحث عن المجاملة: «كيف حالك؟»، واعتذار يأتي قبل أن تصنع الكبرياء جدارا، ويد تمتد دون أن ينتظر صاحبها طلباً أو استغاثة.
فالإنسان لا يبحث دائما عمن يحل مشكلاته، بقدر ما يبحث عمن يشاركه حملها، ويطمئنه أنه لن يواجه الحياة وحده. فما أثقل الوجع حين نحمله منفردين، وما أخفه حين يقاسمه قلب يحبنا. كم من إنسان حقق نجاحا مبهرا في عمله، لكنه عاد إلى بيته فقيرا في حضوره، عاجزا عن أن يمنح من يحبهم دفء الاهتمام.
وكم من شخص بسيط، لا يملك مالا ولا وجاهة، استطاع بقلبه الكبير أن يبني بيتا يشعر كل من يدخله بأنه عاد إلى وطنه. ليست المشكلة في قلة الثقافة، بل في قلة الوعي.
فالثقافة قد تملأ العقل بالمعلومات، أما الوعي فيملأ القلب بالبصيرة.
الثقافة تعلمنا كيف نتحدث، لكن الوعي يعلمنا متى نصمت، ومتى نحتوي، ومتى يصبح الحب فعلا يداوي، لا كلمة تُقال.
أما التكافؤ الحقيقي، فليس أن يتساوى شخصان في الشهادات أو الرواتب أو المكانة الاجتماعية، وإنما أن يتشابها في احترام العلاقة، وفي تقدير مشاعر بعضهما، وفي الإيمان بأن المودة ليست مناسبة عابرة، بل قرار يتجدد مع كل صباح.
أن يدرك كل واحد منهما أن الحب ليس حقا مكتسبا، بل مسؤولية يومية، وأن الاهتمام ليس رفاهية، بل هو الهواء الذي تتنفسه العلاقة.
وأن الكلمة الطيبة ليست مجاملة، وإنما غذاءٌ للقلب، كما أن الماء غذاءٌ للجسد.
فالعلاقات التي تعيش ليست تلك التي لم تتعب يوما، وإنما تلك التي رفض أصحابها أن يجعلوا التعب نهاية الحكاية.
فكل علاقة تعرف الفتور، وكل قلب يمر بلحظات صمت، لكن الفرق بين علاقة تنجو وأخرى تنهار هو أن هناك من يختار، في كل مرة، أن يقترب بدلا من أن يبتعد، وأن يصلح بدلا من أن يعاقب، وأن يفهم قبل أن يحكم.
وفي نهاية العمر، لن يسأل القلب عن عدد الشهادات، ولا عن حجم الحسابات البنكية، ولا عن الألقاب التي حملها الإنسان.
سيبحث فقط عن ذلك الشعور النادر الذي لا يُشترى: شعور الأمان.
أن تجد من يفرح لفرحك كأنه فرحه، ويحزن لألمك كأنه ألمه، ويحتضن ضعفك، ويختارك في الأيام الثقيلة كما اختارك في الأيام الجميلة.
فالعلاقات العظيمة لا تصنعها الصدفة، ولا يحرسها بريق البدايات، ولا يضمنها الحب وحده.
إنها علاقة تُبنى كل يوم بحجر صغير لا يلتفت إليه كثيرون: كلمة طيبة، واحتواء، واعتذار، ورحمة، وصبر، وإنصات، ووفاء.
وحين تجتمع هذه التفاصيل الصغيرة، تصبح أعظم من المال، وأغلى من المناصب، وأبقى من الإعجاب، لأنها وحدها القادرة على أن تُبقي الحب حيّا... لا ذكرى جميلة عن بداية كانت واعدة فقط.