د. منى بنت علي الحمود
الحكاية بمجملها وتفصيلها بدأت من جانب ستارة من «الدانتيل» الأبيض، وعلى طاولة مغطاة بمفرش قطني طرزته «والدتي» بزهور حمراء بأوراق خضراء تارة فاتحة وأخرى غامقة، لم يكن للتدرج اللوني أو التذوق الفني والجمالي دوراً في هذا الاختيار، بل كان من يحكم ذلك فقط هو ما يتوفر لها من بقايا خيوط الحرير.
ترخي «والدتي» على تلك الطاولة الأنيقة، بل الفارهة حسبما كانت تشعر به عيناي، ثوبها الأبيض المموج والمطرز والذي كان أشبه بثوب العروس، لتغطي معظم ما بدى منها من شقوق وتصبغات.
وعلى تلك الطاولة ذاتها تتربع تلك الممشوقة العنقاء بخصرها النحيل ومقعدها المتزن، والتي كان يطلب مني عادة بألا تمتد إليها يدي أبدا، ورغم ما يبدو من أنوثتها الطاغية إلا أنها كانت تحمي خصوصيتها من كل من يحاول المساس بها بإبرة تشبه إبرة العقرب.
كانت العناية بها متمايزة عمن حولها فكان بجانبها هاتف «والدي» الأخضر، الذي كان بقرص له صوت لازلت أذكره بل وأشعر به و بأصوات وأحاديث من كان يهاتفهم «والدي» من خلاله، كان بريدا للسعادة، عندما أرى «والدي» مبتسما وهو يتحدث أو يستمع إلى جدي وعمتي، ينقل سماعة الهاتف إلى «والدتي» وهو لايزال مبتسماً، تمرر السماعة ما بيننا وكأنها كرة في ملعب، حتى تصل إلي لأهمس ببعض الكلمات المتعثرة التي كان «والدي» عادة هو من يلملمها داخل شفتي حتى أرد بكلمة «طيبة» على من ينهال علي بسيل من أسئلة الشوق للاطمئنان عني، لأتخلص سريعاً من هذه السماعة التي كان حمل همها أثقل من حملها، وكأني كنت سألقي خطاباً أمام جمع دبلوماسي. لم يكن للهاتف تلك القداسة ولا حتى لتلك المزهرية الزرقاء المخططة بالبياض والتي تقاسمهما نفس الطاولة.
في مجلسنا، كنت أراقب بعمق، عندما تلامس تلك الإبرة قطعة دائرية سوداء توضع تحتها بعناية، بعد إخراجها بحذر من «كيسها» الذي يتم وضعه هو الاخر بحرص في حقيبة، ويتم مسح تلك الدائرية السوداء وتلميعها والتأكد من سلامتها، يتم إنزال الابرة عليها في مكان محدد ووقت محدد وكيفية محددة، تخرج أصواتا تشبه أهازيج الأحلام، كلمات لا أعرفها ولا أعرف معناها ومدلولاتها بل وحتى لا أعرف من يقولها، ولكني أعرف كل شيء في وجوه من حولي، سعادة!
«البشتختة» أو ما يسميها البعض «البكم»، لم تكن أداة عابرة لسماع الغناء أو الرقص على إيقاعاته الموسيقية فحسب، فحضورها في المنازل بل المجالس كان يحمل معه الكثير، فكانت «البشتختة» إلى جانب أنها رمزية للطبقة الاجتماعية والاقتصادية للأسر، كانت بمثابة طقس اجتماعي تحمل بعدها الثقافي الأوسع، كنافذة على العالم، تجتمع حولها العائلات أو الجيران أحيانا، لتكون بمثابة المعرف لهم على أصوات كبار المطربين، ونقل الأغاني بين المدن والقرى، وتوحدت الذائقة الفنية العابرة للحدود والثقافات. كانت الأمسيات تنظم أحياناً خصيصاً للاستماع إلى أسطوانة جديدة، فيجلس الجميع في دائرة صامتة، يعمهم الإنصات فحسب وكأنهم في حضرة مجلس ثقافي أو عرض مسرحي مبهر.
وكسائر تمظهرات التغير الاجتماعي بدأ حضور «البشتختة» يتراجع مع ظهور «التلفاز» و «المسجلات الكاسيت» وغيرها فيما بعد، إلا أنها لم تغب عن المشهد الثقافي كرمزية تتحول من ذاكرة فنية أو أداة للاستمتاع بالموسيقى والكلمة واللحن إلى مساحة للحوار الهادئ، حولت الاستماع إلى تجربة جماعية، وممارسة ثقافية تحمل قيم الحوار والإنصات والتذوق والمعرفة.
من صندوق للموسيقى إلى برنامج للحوار الثقافي الواعي، افتتحت «أكاديمية فنسفة الثقافية» للتدريب النسخة الأولى من برنامجها الثقافي الجديد تحت عنوان: «حكيني جنب البشتختة» .. حيث تسعى الأكاديمية من خلال برنامجها هذا إلى إعادة شكل الحوار الثقافي بتحويله لمساحة تتجاوز حدود الخبرات والمعرفة، ليصبح فيها الفن والفكر ثقافة حياة وممارسة إنسانية واجتماعية مدركة، في هذا البرنامج ستعود «البشتختة» بلا شك صوتاً يجتمع حوله الجميع ليمنح الانصات للذاكرة حضوراً لا يزال يتردد حتى بعد أن توقفت إبرتها عن الدوران فوق تلك الدائرة السوداء.