د. أنس عضيبات
يمر العمر عبر بوابات صغيرة لا نلقي لها بالاً، ويسرقنا الوقت في تفاصيل الركض اليومي وتأمين متطلبات العيش، بينما ينمو الصغار خلف ظروفنا المؤجلة نراقبهم في الصباح وهم يرتدون ملابسهم، ونعدهم بـ»غدٍ أفضل» وأكثر تفرغاً، دون أن ندرك أن هذا «الغد» قد يأتي وقد كبروا فيه فجأة، وتغيرت نبرات أصواتهم، وضاعت ملامح الطفولة التي كنا نؤجل الاستمتاع بها إنها خدعة الوقت الكبرى؛ نقنع أنفسنا بأننا نعمل من أجلهم، في حين أننا نحرمهم ونحرم أنفسنا من أثمن ما نملك: الدقائق الهاربة التي لا تعود أبداً.
في بيوتنا اليوم، هناك صراع صامت بين شاشات الهواتف الذكية ومتطلبات العمل، وبين عيون صغيرة تتطلع إلينا بشغف طالبةً لحظة انتباه أو غمرة حانية، وكم من مرة أرجأنا فيها احتضان طفل يركض نحونا، بحجة أننا «مشغولون الآن»؟ نطلب منهم الانتظار لدقائق، لكن الدقائق في عالم الطفولة هي دهر كامل، وعندما ننتهي من مشاغلنا، نلتفت فلا نجدهم في نفس المكان؛ لقد كبروا خطوة إلى الأمام، وابتعدوا مسافة نفسية قد يصعب جسرها لاحقاً، تاركين خلفهم تساؤلاً مريراً حول أولوياتنا الحقيقية.
إن هذا التأجيل المستمر للاحتواء العاطفي ليس مجرد فوات فرصة عابرة، بل هو استنزاف تدريجي لرصيد الأمان النفسي لدى الأطفال، فالاحتضان والإنصات لقصصهم الصغيرة والتافهة في نظرنا، هي بمثابة المصل الواقي الذي يبني مناعتهم النفسية ضد خيبات المستقبل، وعندما يعتاد الطفل أن يجد باب والديه موارباً أو مشغولاً، فإنه يتعلم بالتدريج كيف يبتلع حكاياته، وكيف يدير ظهره باحثاً عن بدائل خارج حدود الأسرة، ليتحول البيت بمرور الوقت من واحة دفء إلى مجرد محطة قطار يلتقي فيها الغرباء.
«إن الطفولة قطار سريع لا يتوقف في محطات الانتظار؛ فإما أن تركب فيه معهم وتشاركهم الرحلة، أو تستيقظ يوماً لتجد نفسك واقفاً على رصيف الذكريات وحدك».
وعلى المقلب الآخر، فإن مأساة «النمو الفجائي» للأبناء تصدم الآباء والأمهات حين يكتشفون فجأة أن الأحضان التي كانت متاحة ومطلوبة بالأمس، أصبحت اليوم خجولة ومحفوفة بخصوصية المراهقة، وتلك الأيدي الصغيرة التي كانت تتشبث بأطراف ثيابنا، كبرت وأصبحت تلوح لنا من بعيد وهي تمضي في طريقها المستقل. هنا تحديداً يقع الندم؛ حين تلتفت الذاكرة إلى الوراء وتبحث عن ضحكة طفل أخرسناها بكلمة «انتظر»، أو قبلة على الجبين بخلنا بها خلف ذريعة التعب والجهد.
إن التربية الحقيقية لا تقاس بعدد الساعات التي نقضيها في التخطيط لمستقبل الأبناء المادي، بل بكثافة الدقائق التي نمنحهم فيها حضورنا الإنساني الكامل، وليس المطلوب أن نتخلى عن مسؤولياتنا، بل أن نتقن فن «الارتحال المؤقت» من عالم الأعمال الصارم إلى عالمهم البسيط إن خمس دقائق من الاحتضان الصادق، أو اللعب على الأرض، أو الاستماع لقصة متلعثمة، كفيلة بأن تحفر في ذاكرة الطفل امتداداً من الأمان يرافقه طوال حياته، ويجعله يعود إلينا دائماً مهما ابتعدت به السبل.
إن الأبناء هم ضيوف عابرون في محراب طفولتهم، سرعان ما يحزمون حقائبهم ليصبحوا بالغين يواجهون الحياة بصيغتها الجافة، فلنبدأ من الآن، قبل أن تنام البيوت على صمتها بعد رحيلهم، وقبل أن تصبح غرفهم مجرد مخازن للذكريات؛ لنتوقف عن تأجيل الحب، ولنفتح أذرعنا لكل نداء صغير، فكل احتضان نمنحه لهم اليوم هو جدار حماية نبنيه في قلوبهم ليبقى عصياً على التصدع، ودليل عودة دافئ يرشدهم إلينا دائماً وأبدًا.