رسيني الرسيني
لا يقاس قطاع التأمين بعدد الشركات العاملة فيه أو بحجم إيراداته فقط، فهذه المؤشرات تعكس جانبًا من الصورة دون أن تكشف قدرته على تحقيق النمو المستدام. ومن هنا يبرز مفهوم منظومة الأعمال أو ما يسمى النظام البيئي للأعمال (Business Ecosystem) الذي يشير إلى شبكة مترابطة من المؤسسات والعلاقات والأنظمة التي تتعاون لإنتاج قيمة اقتصادية مشتركة. فكلما ارتفعت جودة هذا الترابط، ازدادت كفاءة القطاع وارتفعت إنتاجيته وتعززت قدرته على الابتكار. وينطبق ذلك بوضوح على قطاع التأمين، إذ إن نجاحه لا يرتبط بأداء شركات التأمين وحدها، وإنما بمدى تكامل جميع الأطراف المحيطة بها. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى النظام البيئي باعتباره البنية الاقتصادية التي تمنح القطاع قوته الحقيقية وقدرته على التطور.
يضم النظام البيئي لقطاع التأمين أطرافًا متعددة تبدأ بالجهة التنظيمية، مرورًا بشركات التأمين وإعادة التأمين، والوسطاء، ومقدمي الرعاية الصحية، وورش إصلاح المركبات، وخبراء المعاينة، والبنوك، وشركات التقنية التأمينية، وصولًا إلى مزودي البيانات والجامعات ومراكز التدريب. وقد تبدو هذه الجهات مستقلة في أعمالها، إلا أن القيمة الاقتصادية التي يحققها القطاع تنشأ من جودة التفاعل بينها. فعندما تنتقل البيانات بسرعة، وتتكامل الأنظمة التقنية، وتُحسم المطالبات بكفاءة، وتنخفض النزاعات الإجرائية، تتراجع تكلفة ممارسة الأعمال، ويتحسن تسعير المخاطر، وترتفع ثقة المستثمرين والعملاء، فينعكس ذلك على نمو القطاع بأكمله وعلى مساهمته في الاقتصاد الوطني.
يشير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل رونالد كوز إلى فكرة محورية مفادها أن المؤسسات تحقق أداءً أفضل عندما تنخفض تكاليف المعاملات بين الأطراف المختلفة. وتكشف هذه الفكرة أن القيمة الاقتصادية لا تخلق داخل حدود الشركة وحدها، وإنما تتشكل أيضًا من طبيعة العلاقات التي تربطها بغيرها. وفي قطاع التأمين، تكاليف المعاملات يعني الوقت المستغرق لتبادل المعلومات، وتعقيد الإجراءات، وتكرار المستندات، وضعف التكامل بين الأنظمة مع الشركات الأخرى التي تخدم الشركة. وكل تحسن في هذه الجوانب ينعكس مباشرة على انخفاض التكلفة التشغيلية ورفع الإنتاجية وتحسين تجربة العميل وزيادة قدرة القطاع على الابتكار واستقطاب الاستثمارات.
ومن هذا المنظور، يصبح الاستثمار في بناء نظام بيئي متكامل أحد أهم الاستثمارات الاقتصادية التي يمكن أن يتبناها قطاع التأمين. فالتشريعات المرنة، والبنية الرقمية المشتركة، والبيانات الموثوقة، والشراكات الفاعلة، ليست عناصر مساندة للنشاط التأميني فقط، وإنما تمثل البنية الأساسية التي يقوم عليها نموه واستدامته بشكل ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعا وكفاءة وابتكارا، بحيث يتحول قطاع التأمين من مقدم للخدمات المالية إلى محرك اقتصادي لعدد من القطاعات ذات العلاقة بشكل يعزز الثقة في بيئة الأعمال، ويشارك بفاعلية في تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة.
حسنًا، ثم ماذا؟
إلى أي مدى يمتلك قطاع التأمين نظامًا بيئيًا قادرًا على تحويل المعرفة والتقنية والشراكات إلى قيمة اقتصادية مستدامة؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم مستقبل القطاع، وستحدد حجم إسهامه في تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز تنافسيته خلال السنوات المقبلة.