د. سلامة العنزي
تمثل الأدلة التنظيمية الإطار الذي تنتقل من خلاله الأفكار من مرحلة التصور إلى مرحلة التطبيق، ولذلك فإن نجاح أي نموذج لا يقاس بسلامة فلسفته فحسب، بل بقدرته على الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الميدان قبل بدء التنفيذ. ومن هذا المنطلق جاءت هذه القراءة للدليل التنظيمي للمدارس المتكاملة، وهي قراءة تنطلق من الدليل نفسه، وتحاول مناقشته من منظور الممارسة التعليمية والإشراف التربوي، بعيدًا عن إصدار الأحكام أو تبني مواقف مسبقة. كما أن هذه القراءة مبنية على ما ورد في الدليل بصيغته الحالية، وقد تتضح بعض الجوانب بصورة أكبر إذا صدرت لاحقًا أدلة تنفيذية تفصل ما أجملته الوثيقة.
هل يقدم النموذج دورًا جديدًا أم يعيد تنظيم دور قائم؟
كان أول ما تبادر إلى ذهني أثناء قراءة الدليل سؤال جوهري: هل يقدم هذا النموذج دورًا تنظيميًا جديدًا، أم أنه يعيد تنظيم أدوار كانت تمارس سابقًا بصورة مختلفة؟
وقد ذكر الدليل أن هذا النموذج ليس عودة إلى مكاتب التعليم، وإنما يقوم على تنظيم العلاقة المهنية بين المدارس. غير أنني، عند التأمل في طبيعة المهام المسندة إلى المدير التنفيذي، وجدت أنها تتمثل في نقل الخبرات، وبناء القيادات، وقيادة مجتمعات التعلم المهنية، وتحليل البيانات، وتوجيه الدعم، ومتابعة الأداء، وتعزيز التعاون بين المدارس.
ومن هنا برز لدي سؤال آخر: ما القيمة المضافة التي سيقدمها المدير التنفيذي للميدان، بحيث تجعل هذا النموذج مختلفًا عن الأدوار السابقة، ومقنعًا للعاملين في الميدان؟
ولا أقصد بهذا السؤال مقارنة تنظيمية بين نموذجين، وإنما أقصد أن نجاح أي نموذج جديد يعتمد على وضوح الإضافة التي يقدمها، وأن تكون هذه الإضافة ملموسة في أدوات العمل وآلياته، لا في إعادة تنظيم الأدوار أو تغيير المسميات فحسب.
العلاقة مع مشرف الدعم
من القضايا التي رأيت أنها تحتاج إلى مزيد من البيان العلاقة التنظيمية بين المدير التنفيذي ومشرفي الدعم؛ ففي الواقع الحالي يقوم مشرف الدعم بقيادة عمليات التحسين داخل المدارس، ويتابع الخطط، ويشرف على التطوير المهني، ويقيم في بعض المدارس مدة زمنية كافية حتى يحقق التدخل أثره.
فكيف ستكون العلاقة بين الطرفين؟
هل سيكون المدير التنفيذي قائدًا لمشرفي الدعم؟
أم سيبقى كل منهما مرتبطًا بجهة مختلفة؟
أم سيعملان داخل المدرسة نفسها بأدوار متوازية؟
إن وضوح العلاقة بين هذين الدورين ليس مسألة تنظيمية فحسب، بل هو أحد عناصر نجاح النموذج؛ لأن تداخل الاختصاصات أو ازدواجية الأدوار قد ينعكس على الميدان أكثر مما ينعكس على التنظيم نفسه.
كيف سيقاس أثر المدير التنفيذي؟
ربط الدليل نجاح النموذج بتحسن نواتج التعلم، وجودة التدريس، وتقليص الفجوات بين المدارس، وتحسن مؤشرات الأداء. وهي جميعها أهداف رئيسة، لكن استوقفتني هنا منهجية القياس.
فكيف يمكن عزل أثر المدير التنفيذي عن بقية العوامل المؤثرة في المدرسة؟ فالنتائج المدرسية لا يصنعها شخص واحد، وإنما تتأثر بمدير المدرسة، والمعلمين، والطلاب، واستقرار الكادر، والإمكانات، والبيئة التعليمية، وغيرها من المتغيرات؛ ومن ثم فإن نجاح النموذج يحتاج إلى مؤشرات أداء دقيقة، تستطيع قياس أثر المدير التنفيذي نفسه، لا أثر المدرسة بصورة عامة.
هل يسمح التنظيم بظهور
أثر المدير التنفيذي؟
من خلال قراءتي، واطلاعي، وعملي في التعليم والإشراف التربوي، أرى أن التحسين المدرسي عملية تراكمية، لا تظهر نتائجها خلال أشهر قليلة، وإنما تحتاج إلى قدر من الاستقرار يسمح ببناء العلاقات المهنية، وترسيخ ثقافة العمل، ومتابعة أثر التدخلات.
وفي الواقع الحالي جرت العادة على إعادة توزيع مشرفي الدعم، أو تغيير المدارس التي يشرفون عليها مع بداية كل فصل دراسي. وإذا كان المدير التنفيذي سيخضع للآلية نفسها، فإن ذلك يثير تساؤلًا مهمًا: هل تكفي هذه المدة لإحداث أثر حقيقي داخل مجموعة المدارس؟ أم أن طبيعة الدور الجديد تقتضي استقرار المدير التنفيذي مع المجموعة مدة أطول، حتى تتكون فرق العمل، وتترسخ الممارسات، وتظهر نتائج التحسين بصورة يمكن قياسها؟
في تقديري، فإن استقرار القيادة التنفيذية ليس تفصيلاً تنظيميًا، بل أحد العوامل الرئيسة التي قد تحدد نجاح النموذج أو محدودية أثره.
من يقود.. ومن يقيّم؟
استوقفتني كذلك مسألة الحوكمة التنظيمية للنموذج. فإذا كان المدير التنفيذي مسؤولًا عن قيادة عمليات التحسين داخل مجموعة المدارس، فمن الجهة التي ستتولى تقويم أداء مديري المدارس ومساءلتهم؟
هل ستكون هذه المهمة من اختصاص المدير التنفيذي؟
أم ستظل ضمن اختصاص إدارة التعليم؟
فإذا بقيت عملية التقويم والمساءلة خارج نطاق المدير التنفيذي، فقد يجد نفسه مسؤولًا عن نتائج التحسين، في الوقت الذي لا يملك الأدوات الكافية للتأثير في تلك النتائج.
ولا أقصد بذلك منح المدير التنفيذي صلاحيات تتعارض مع استقلالية المدرسة، وإنما أقصد أهمية وضوح العلاقة بين مسؤولية التحسين، وبين سلطة التقويم والمساءلة، حتى لا يحدث تداخل في المسؤوليات أو ضعف في فاعلية القيادة.
نقل الخبرات.. أم نقل الكوادر؟
أشار الدليل إلى دور المدير التنفيذي في الاستفادة من الموارد البشرية داخل مجموعة المدارس، وإمكان نقل بعض الخبرات والكفاءات بين المدارس بما يسهم في تحقيق الاحتياج، على أن يتم ذلك بالتنسيق مع إدارة التعليم أو الجهة ذات الاختصاص.
وهذه الجزئية لفتت انتباهي؛ لأنها تحمل أبعادًا تطبيقية مهمة.
فإذا رأى المدير التنفيذي أن نقل أحد المعلمين، أو أحد القيادات، أو أحد الإداريين سيحقق مصلحة تعليمية واضحة، فماذا لو لم يكن ذلك الشخص راغبًا في الانتقال ؟ وماذا لو تبنى المدير التنفيذي ـ بحكم قربه من الميدان ـ رؤية معينة لمعالجة الاحتياج، بينما لم توافق عليها إدارة التعليم أو الجهة المختصة؟
إن اختلاف وجهات النظر بين المستويات التنظيمية أمر وارد في جميع المؤسسات، لكن استمرار هذا الاختلاف قد يحد من قدرة المدير التنفيذي على تنفيذ رؤيته، ويجعله مسؤولًا عن نتائج لا يملك القرار الكامل لتحقيقها.
ولذلك أرى أن تحديد حدود الصلاحيات، وآلية اتخاذ القرار في هذا الجانب، سيكون من العناصر المؤثرة في نجاح النموذج.
أين الحوافز؟
توسع الدليل في الحديث عن مسؤوليات المدير التنفيذي، لكنه لم يتطرق إلى جانب الحوافز.
ولا شك أن قيادة مجموعة من المدارس تختلف عن قيادة مدرسة واحدة؛ فهي تتطلب تنسيقًا مستمرًا، ومتابعة لعدد من القيادات، وتحمل مسؤوليات إضافية.
ومن هنا تبرز تساؤلات مشروعة: هل ستكون هناك حوافز مالية؟ أو مزايا وظيفية؟ أو مسار مهني يتناسب مع حجم هذه المسؤولية؟
فالحوافز ليست مطلبًا شخصيًا، بل أحد عناصر استدامة الأداء، واستقطاب القيادات القادرة على إنجاح النموذج والمحافظة عليها.
هل الدليل مكتمل؟
من الملاحظات التي استوقفتني أثناء القراءة كثرة تكرار الأفكار الرئيسة في أكثر من موضع؛ مثل المسؤولية المشتركة، وتبادل الخبرات، والقيادة القريبة من الميدان، ومجتمعات التعلم المهنية، حتى بدا أن الوثيقة تعيد عرض الفكرة نفسها بصيغ متعددة.
وربما كان من الأنسب تقليل هذا التكرار، وإفراد مساحة أكبر للجوانب التنفيذية التي يحتاج إليها الميدان، مثل الصلاحيات، والعلاقات التنظيمية، وآليات العمل، ومؤشرات الأداء، وأدوات القياس.
ومن هنا يبرز سؤال أخير: هل تمثل هذه الوثيقة الدليل النهائي للنموذج، أم أنها وثيقة تأسيسية سيعقبها دليل تنفيذي أكثر تفصيلاً يجيب عن هذه الجوانب؟
ختامًا: حاولت في هذه القراءة أن أطرح عددًا من الأسئلة التي رأيت أنها تستحق الوقوف عندها قبل الانتقال إلى مرحلة التطبيق؛ ومن أبرزها: ما القيمة المضافة الحقيقية التي سيقدمها المدير التنفيذي للميدان؟ وكيف ستنظم علاقته بمشرفي الدعم؟ وهل تمنحه مدة بقائه مع مجموعة المدارس فرصة كافية لإحداث أثر يمكن قياسه؟ ومن الجهة التي ستتولى تقويم مديري المدارس ومساءلتهم؟ وما حدود صلاحياته في إدارة الموارد البشرية؟ وهل ستتبع هذه الوثيقة أدلة تنفيذية توضح هذه الجوانب؟
ولا أقصد من طرح هذه الأسئلة التقليل من قيمة النموذج ، بل إن الدافع إلى كتابة هذه المقالة هو الإسهام في إثراء الحوار حوله، وطرح بعض الأفكار التي قد تجد صدى في تطوير الدليل أو في الأدلة التنفيذية التي قد تصدر لاحقًا؛ فالمشروعات التعليمية الكبرى تزداد نضجًا بالحوار العلمي المسؤول، وتكتمل بتبادل الخبرات واستيعاب الرؤى المختلفة، بما يسهم في تحقيق الغاية التي أنشئت من أجلها.
فإن أصبت فيما ذكرت، فذلك من فضل الله وتوفيقه، وإن أخطأت، فالخطأ من طبيعة البشر، والكمال لله وحده. وأسأل الله أن يوفق القائمين على هذا المشروع، وأن يجعله نموذجًا يسهم في تطوير مدارسنا، وتحقيق نواتج التعلم الأفضل لأبنائنا وبناتنا.
** **
- دكتوراه في مناهج التعليم