عبدالرحمن الحضري
عامل توصيل طلباتٍ فوق دراجةٍ ناريةٍ، يراوغ أرصفة الزحام، يحمل في الصندوق خلفه صحن حمص، وعشرين حبة فلافل، وصاروخين شاورما، أو سيارة «ميني» بثلاثة سلندرات تتسلل بين المسارات بخفة مرعبة ورشاقة مجنونة، تختزن في جوفها شحنات متنوعة؛ ما بين هواتف ذكية، وشواحن طاقة، وأجهزة دقيقة غلا ثمنها وخفّ وزنها جاءت مهندمة من أصقاع المعمورة. أو شاحنات كبيرة تقف أمام منزلك بثقة وهي تغلق الشارع! لأنها تحمل «ديليفري» ثقيلًا كغرف النوم، وأطقم المجالس، وطاولات الطعام التي استُجلبت من كبريات محلات الأثاث في الداخل والخارج.
لكن.. سواء أتتك لقمتك على ظهر دراجةٍ راوغت الموت لتصل إليك، أو أتتك الشحنة المنتظرة من خلال «الميني» المتنقلة بين المسارات يمنة ويسرة، أو الحمل الثقيل بتلك الشاحنة الضخمة.. فإنك في نهاية المطاف، وبالنسبة لجميع عمال التوصيل، مجرد «لوكيشن» ورقم تسلسلي «كود نمبر» فلا اسمك يهم، ولا سنك يشكل أهمية، ولا النظام الذي يزعجك خرقه ذو قيمة.
هو بريد في معناه البسيط، لكنه لم يكن كالبريد الذي يأتي به إلينا ذلك الساعي على (السيكل)!
بريد غاب عنه عنصر المفاجأة السارة؛ فأنت ومن خلال شاشات التتبع الذكية في التطبيقات، تعرف سلفًا، ومنذ لحظة الشراء، موعد الوصول المتوقع. تعرف نوع سلعتك، حجمها، لونها، استخداماتها، وربما تخيلت حتى رائحتها قبل أن تلمسها يدك. لقد تبدل مفهوم البريد بالتطور المتسارع في شتى مناحي الحياة، وبات مفهومًا اقتصاديًا صرفًا، يتمحور حول البيع والشراء والاستهلاك، ولم يعد التواصل الاجتماعي والإنساني بين البشر هو الهدف الرئيس له كما كان في غابر الأيام.
بدايات البريد في مدننا وقرانا كانت تحمل دفئًا من نوعٍ آخر، دفئًا يفيض بحميمية مفقودة. ففي مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، لم تكن نشأة مدينة بدنة (عرعر) -1100 كم شمال الرياض- نشأةً تقليدية كباقي المدن؛ بل ارتبط ميلادها بشريان اقتصادي وتنموي عملاق، تمثل في مشروع خط أنابيب النفط «التابلاين». كان هذا الخط التاريخي يمتد من حقول النفط في المنطقة الشرقية، لينتهي إلى البحر الأبيض المتوسط عند ميناء صيدا اللبناني، حاملًا الذهب الأسود إلى الأسواق العالمية. وعلى امتداد هذا الشريان، تناثرت محطات ضخ النفط لتشكل النواة الأولى لمدنٍ وحواضر مستقبلية ولدت من رحم الصحراء، وهي: النعيرية، القيصومة، رفحاء، العويقيلة، بدنة (عرعر)، حزم الجلاميد، وطريف.
وببصيرة سياسية نافذة، ورؤية حكيمة سابقة لعصرها، اشترط الملك المؤسس عبد العزيز -طيب الله ثراه- على شركة «التابلاين» ألا يقتصر عملها على ضخ النفط في الأنابيب فحسب، بل أن تضخ الحياة والمدنية في تلك الفيافي القاحلة؛ وذلك عبر حفر آبار الارتواز وإنشاء موارد المياه للبادية، وتأسيس المستشفيات والمدارس حول تلك المحطات. وبفضل هذه الرؤية الحكيمة، ازدهرت تلك التجمعات السكنية ونمت متسارعة، لتحول الصحراء مع مرور الأيام إلى مدنٍ نابضة بالحياة والاستقرار، تتوافر فيها كل مقومات العيش الكريم.
كان التواصل الاجتماعي في ذلك الوقت يتخذ طابعًا عفويًا بسيطًا وصادقًا. إذ كان يكفي أن يقف الرجل في منتصف السوق أو في «العاير» من الحارة وينادي؛ ليدعو عموم الناس لوليمة زفاف، أو لينعى ميتًا ويحدد مكان ووقت صلاة الجنازة، أو يبحث عن حاجة مفقودة رافعًا صوته: «يا من عيَّن الضالة» وكانت القلوب والوجدان، قبل الحناجر، تتفاعل مع المنادي بحميمية وتلاحم فريد، فتتعالى دعوات المباركين لصاحب الزفاف: (فالكم الولد الصالح)، وتتدفق تعازي المواسين لأهل المتوفى: (الله يرحم ميتكم ويجبر عزاكم)، في لوحة اجتماعية بديعة.
ومع استقرار العمل في محطات «التابلاين» وتوافد المهندسين والعاملين من مختلف الدول العربية والغربية، أصبحت مكاتب البريد ضرورة حتمية لا غنى عنها لإدارة التواصل الرسمي والإنساني. ومن بوابات تلك المكاتب البسيطة، كان ينطلق «ساعي البريد» كل صباح على دراجته الهوائية (السيكل)، حاملًا حقيبته الجلدية المثقلة بالرسائل. كان مروره في أزقة الحارة بمثابة عيدٍ يومي متجدد للأطفال، الذين ما إن يرونه حتى يتركون ألعابهم ويركضون خلف دراجته بفرح غامر، مرددين أهزوجتهم الجميلة:
أرنب نط.. جاب لي خط.. من يقراه.. أنا أقراه.. سبع سنين ما أنساه!
وفي لغة ذلك الزمان الجميل، كانت الرسالة تُعرف بـ»الخط» أو «المكتوب». ولم تكن فرحة وصول هذا «الخط» من قريب مغترب أو حبيب غائب تكتمل إلا بالعثور على شخص يجيد القراءة والكتابة، في زمنٍ يندر فيه المتعلمون. لذا، كان حامل الرسالة يجوب الحي بلهفة، باحثًا عمن «يفك الخط»، أو ساعيًا خلف شخص بعينه يوصف بأنه: «معه قلم»، وهو الوصف الفاخر والمهيب الذي كان يُطلق آنذاك على من يمتلك مهارة القراءة والكتابة، ليكون المؤهل الوحيد القادر على حلحلة رموز «الخط»، وفك طلاسم السطور، ليترجم الحبر الجامد إلى مشاعر حية. لقد كان ساعي البريد يعرف تفاصيل الناس ويعرفونه؛ فالبيوت معدودة، والوجوه مألوفة، وكان يمثل جزءًا أصيلًا لا يتجزأ من نسيج الحارة وروادها.
إن دفء تلك الأيام الخوالي كان يتجلى بوضوح في «جلسة المشراق» الصباحية؛ حيث يجتمع كبار الحارة مستدفئين بخيوط الشمس الأولى، ومن هناك تحديدًا كان يبدأ توزيع «المكاتيب» على أصحابها. كان ظهور (سيكل) ساعي البريد من بعيد يبعث في النفوس ترقبًا لذيذًا وخفقانًا في القلوب؛ فمنهم من ينتظر البشارة بمولود جديد، ومنهم من يترقب على أحر من الجمر خبرًا يطمئنه عن غائب طال سفره، وربما استلم أحدهم رسالته وحمّل الساعي أمانة إيصال رسالة أخرى في طريقه.
ومن أجمل المصادفات التي توثقها الذاكرة حينها، أن يكون بين الجالسين في «المشراق» من يمتلك مهارة «فك الخط» فيناوله صاحب الرسالة مظروفه بلهفة بالغة ويداه ترتجفان شوقًا، قائلًا بلسان الرجاء: «تكفى يا فلان.. بشرني وش بهالخط».
وأثناء فتح المظروف الورقي بعناية، وقبل البدء بالقراءة الجهرية، وفي لحظة تجلٍّ «ووناسة» يرفع أحد المتيمين صوته شاديًا برائعة حجاب بن نحيت، تعبيرًا عن الشوق والهيام:
خطك لو جا بليّا ظرف.. أفرح لو به واحد حرف
كأنه شيك وتحت الصرف.. لو بعذابي يأمرني
سلطنوا..