«الجزيرة» - وائل العتيبي:
نظمت القنصلية العامة لجمهورية الهند في جدة فعالية «الهند: الصحة والنكهات»، في أمسية لم تكن احتفاءً بالمطبخ الهندي أو اليوغا فحسب، بل قراءة ثقافية لعلاقة إنسانية تجاوزت حدود الجغرافيا، وأثبتت أن الشعوب تستطيع أن تتقارب عبر الثقافة كما تتقارب عبر المصالح.
واحتضن فندق بارك حياة جدة، المطل على نافورة جدة، الفعالية بحضور القنصل العام لجمهورية الهند فهد أحمد خان سوري، وقنصل الحج والتجارة صدف شودري، وقنصل الشؤون القنصلية والثقافية بيوش شارما، إلى جانب عدد من أصحاب السعادة القناصل، وأعضاء السلك الدبلوماسي، ووجهاء منطقة مكة المكرمة، والإعلاميين والإعلاميات.
كما شهدت الأمسية حضور الرحالة الهندي الكابتن مير شكيل الرحمن، وزوجته الرحالة السعودية الكابتن أمل أحمد، بمشاركة الكابتن والمغامر أحمد بن فيصل، في صورة جسدت أن السفر لم يعد مجرد انتقال بين الأماكن، بل أصبح وسيلة لبناء جسور بين الثقافات، ونقل صورة الشعوب إلى العالم.
جاءت الرسالة الأعمق للفعالية عبر الثقافة نفسها. فقد اختارت القنصلية أن تجمع بين اليوغا بوصفها فلسفة للحياة، والمانجو الهندي بوصفه رمزًا للثراء الزراعي، والمطبخ الهندي باعتباره أحد أكثر مطابخ العالم ارتباطًا بفكرة التوازن بين النكهة والصحة. ففي الثقافة الهندية لا يُنظر إلى الطعام على أنه وسيلة لإشباع الجوع فقط، بل باعتباره جزءًا من منظومة متكاملة للعافية، تمتزج فيها الأعشاب والتوابل بالمعرفة الطبية التقليدية، لتصبح الوجبة امتدادًا لفلسفة تقوم على الانسجام بين الجسد والروح.
ولم يكن هذا المشهد غريبًا على مدينة مثل جدة، التي عرفت الهند منذ قرون، حين كانت موانئها تستقبل التجار والحجاج القادمين من سواحل كيرالا وكجرات ومومباي، حاملين معهم بضائعهم وثقافتهم وروائح التوابل التي أصبحت مع الزمن جزءًا من ذاكرة المطبخ السعودي.
ولا يمكن فصلها عن رحلة طويلة قطعتها البهارات عبر بحر العرب. والهيل، والقرفة، والقرنفل، والكمون، والكركم، والزنجبيل، والفلفل الأسود، لم تعد مجرد مكونات مستوردة، بل أصبحت جزءًا من الشخصية الغذائية السعودية، أعاد المجتمع المحلي صياغتها بطابعه الخاص، حتى غدت أطباق مثل الكبسة والمندي والجريش والبخاري تحمل هوية سعودية خالصة، رغم ما استفادته من هذا الإرث التجاري والثقافي العريق.
وفي المقابل، لم تكن الهند متلقية فقط، بل تأثرت هي الأخرى بالمطبخ العربي، خصوصًا في مدنها الساحلية، حيث امتزجت وصفات الأرز واللحوم العربية بالمذاقات المحلية، في مشهد يعكس أن الحضارات لا تنمو بالعزلة، وإنما بالحوار والتفاعل المستمر.
تضمنت الفعالية تجربة تفاعلية مارس خلالها الضيوف حركات مبسطة من اليوغا، قبل أن يتذوقوا أصنافًا متنوعة من المانجو الهندي والأطباق التقليدية، في تجربة جمعت بين الذوق والمعرفة، وأكدت أن الثقافة يمكن أن تُقرأ كما تُتذوق.