سلمان المشلحي
لا تزال مجتمعاتنا بخير ما دام فيها رجالٌ يحملون همّ الناس قبل همومهم، ويجعلون من مكانتهم الاجتماعية وسيلة للإصلاح لا للمباهاة، فحين ينهض الشيوخ والوجهاء والأعيان بمبادرات تُخفف عن الناس أعباء الحياة، فإنهم يجسدون قول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى}، ويقدمون نموذجاً حياً للأسوة الحسنة التي يحتاجها المجتمع في كل زمان.
لقد أصبحت تكاليف الزواج في السنوات الأخيرة أحد أكبر التحديات التي تواجه الشباب، ليس بسبب المهور وحدها، بل نتيجة تراكم عادات ومظاهر لم تكن معروفة في مجتمعنا قبل أعوام قليلة، حتى تحولت إلى التزامات اجتماعية تثقل كاهل الأسر، فمن «التلبيسة» و»الدزة» و»ليلة الحناء»، إلى حفلات الملكة، واستقدام الفنانين والفرق الفنية، والمبالغة في تزيين قاعات الأفراح، وصولاً إلى مظاهر الإسراف والتبذير في الولائم وإتلاف كميات كبيرة من الطعام، وكأن قيمة الزواج أصبحت تُقاس بحجم الإنفاق.
وفي ظل هذه المتغيرات، جاءت مبادرة عدد من عشائر من قبيلة عنزة العريقة (السلاطين، الجلاعيد، المطارفة، الشملان) بقيادة شيوخها ووجهائها، لتقدم نموذجاً يُحتذى به في تيسير الزواج، من خلال إلغاء كثير من هذه المظاهر المبالغ فيها، والاكتفاء بما يحقق مقصود الزواج دون تكلف، وقد أكدت هذه المبادرة أن العقلاء ما زالوا قادرين على تصحيح المسار حين تبتعد بعض العادات عن الاعتدال، ولم تقتصر على التوصية، بل اقترنت بمسؤولية اجتماعية راقية تمثلت في الاتفاق على مقاطعة أي مناسبة تخالف ما أُجمع عليه، وهي عقوبة أدبية تعكس قوة التكاتف المجتمعي، وتؤكد أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من وعي المجتمع وقناعته قبل أي تنظيم أو نظام.
إن هذه المبادرات لا تستهدف حرمان الناس من الفرح، وإنما تعيد الفرح إلى معناه الحقيقي؛ فرحٌ لا يرهق الأب، ولا يثقل كاهل الشاب، ولا يؤخر زواج فتاة تنتظر تكوين أسرة مستقرة، فكم من شاب تراجع عن الزواج بسبب التكاليف، وكم من فتاة تأخر زواجها لأن العادات أصبحت أثقل من القدرة، وكم من أسرة أثقلتها الديون من أجل ليلة واحدة تنتهي ساعاتها، بينما تستمر آثارها المالية سنوات طويلة. ولذلك فإن دور الشيوخ والوجهاء والأعيان في مثل هذه المبادرات يتجاوز حدود القبيلة إلى خدمة الوطن كله، فهم شركاء في بناء مجتمع أكثر تماسكاً، وأكثر وعياً، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، كما أن هذه المبادرات تنسجم مع تعاليم ديننا الحنيف الداعية إلى اليسر والاعتدال، وتتوافق مع توجهات قيادتنا الرشيدة في دعم استقرار الأسرة، وتعزيز التلاحم المجتمعي، ورفع جودة الحياة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
إن نجاح مثل هذه المبادرات لا يُقاس بعدد البنود التي أُعلنت، بل بعدد البيوت التي ستُبنى، والشباب الذين سيُقبلون على الزواج بثقة، والفتيات اللاتي ستُفتح أمامهن أبواب الحياة الزوجية دون تعقيدات مصطنعة، فكل زواجٍ مُيسَّر هو أسرة مستقرة، وكل أسرة مستقرة هي لبنة جديدة في بناء مجتمع قوي ومتماسك، يحفظ قيمه ويصون تلاحمه.
وما أحوجنا اليوم إلى أن تتوسع مثل هذه المبادرات في مختلف مناطق المملكة، لتصبح ثقافةً مجتمعيةً راسخة، تعيد للزواج بساطته، وتحفظ للأسرة مكانتها، وتخفف عن الشباب أعباء البداية، فالمجتمعات التي يتقدم فيها العقلاء والوجهاء لقيادة الإصلاح، هي المجتمعات الأقدر على المحافظة على قيمها، وصيانة نسيجها الاجتماعي، وبناء مستقبلها.
تحية تقدير لكل شيخ ووجيه وعاقل من أهل الرأي أسهم في إطلاق هذه المبادرة أو دعمها، فقد اختاروا أن يكونوا قدوة بالفعل قبل القول، وأثبتوا أن الزعامة الحقيقية ليست في المكانة الاجتماعية فحسب، بل في صناعة الخير، وإحياء القيم، ورفع المشقة عن الناس، ومثل هذه المبادرات تستحق كل دعم وتشجيع، لأنها ليست مجرد قرارات اجتماعية، بل مشاريع إصلاح تُعمر البيوت، وترسخ قيم التكافل، وتسهم في صناعة مجتمع أكثر استقراراً وتماسكاً، وتمنح شباب الوطن فرصة لبداية حياة زوجية يسودها اليسر والبركة، فكم من بيتٍ سيُبنى، وكم من شاب وفتاة سيبدآن حياتهما بعيداً عن الديون والتكلف، وكم من أسرة ستنعم بالاستقرار بفضل مبادرة صادقة بدأت بخطوة شجاعة، وقد تصبح بإذن الله نهجاً يُحتذى به في مختلف أنحاء الوطن.