عمران عبدالله
أخطر ما تفعله الحروب أنها لا تكتفي بمن يقتلون فيها بل تطارد الناجين منها حسب إدوارد سعيد.
قد تتوقف المعارك لكن آثارها تظل باقية. ففي قرية عاد إليها أهلها وفي طريق المارة وأطفال المدارس ما تزال الحرب قائمة، والموت كل يوم يأتينا مفخخا من تحت التراب. يختبئ خطر مفخخ في مخبأ تحت التراب أو تحت أكياس بلاستيكية لا يعلن عن نفسه إلا عندما يخطئ أحدهم في وضع خطواته.
الألغام من أكثر ما يخلفه الصراع وحشية. فهي غادرة لا تواجه خصماً في ساحة قتال ولا تفرق بين مقاتل ومدني. وما أن يظن الناس أن الحياة بدأت تستعيد ذاتها في مأمن حتى تعيدهم إلى نقطة الخوف الأولى، فتتحول الأرض التي كانت مصدر رزق وأمان إلى مكان آخر للموت الذي زرعته المليشيات الحوثية في طريق اليمنيين.
من هنا تتجاوز إزالة الألغام حدود العمل الميداني. فالقضية ليست انتزاع جسم متفجر من الأرض وإنما إعادة الثقة إليها وتمكين الناس من العودة إلى بيوتهم وحقولهم عبر طرقهم الآمنة دون أن ترافقهم هواجس الموت. ولهذا اكتسب مشروع مسام قيمته الإنسانية لأنه يخفف عن اليمنيين واحداً من أخطر الموروثات خطراً وتهديداً للحياة.
لكن الخسائر لا تقف عند حدود الأرض. فثمة رجال ونساء وأطفال نجوا من فخاخ الألغام وشرور زارعيها غير أنهم يواصلون مواجهة آثار المأساة كل يوم. ولهذا يأتي مشروع صناعة الأطراف الصناعية ليمنح المصاب فرصة حقيقية لاستعادة الأمل وحركته واتزانه وعمله واستقلاله، ويؤكد أن الإصابة لا ينبغي أن تكون حكماً دائماً يشل الإنسان.
وفي هذا السياق يلتقي مسام ومشروع صناعة الأطراف الصناعية عند فلسفة تنموية واحدة يتبناها مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية. فالعمل الإنساني لا يقتصر على إنقاذ الأرواح بل يمتد إلى إزالة العوائق التي تحول دون تعافي المجتمعات. فحين تنزع الألغام تستعاد الأرض لدورها في الحياة والإنتاج وحين يستعيد المصاب قدرته على الحركة والعمل تستعاد طاقة المجتمع نفسها. ومن هنا يصبح المشروعان جزءاً من رؤية سعودية أوسع ترى أن الأمن والاستقرار والتنمية ليست مسارات متوازية بل حلقات متصلة يبدأ أولها بحماية الإنسان ويكتمل أثرها بتمكينه من الإسهام في بناء مجتمعه واستعادة دولته.
هذه المفارقة تبدو جلية في اليمن. فمن جهة فخخت المليشيا الحوثية المدعومة إيرانياً اليمن بالألغام المزروعة فامتد خطرها إلى ما بعد المواجهات وأصبح المدنيون هم من يدفعون الثمن الأكبر.
من جهة أخرى دعمت المملكة العربية السعودية اليمن بمشروعين يتعاملان مع النتيجة والنقيض معاً مسام لإزالة أسباب الموت ومشروع صناعة الأطراف الصناعية لمساندة من تركت الحرب آثارها في أجسادهم.
إنها مفارقة بين نهجين لا بين مشروعين فقط. نهج يخلف وراءه الموت والخوف والإعاقة ونهج يعمل على استعادة الحياة والأمان والكرامة. وهذا ما نراه بين إيران والمملكة.
وفي النهاية لا يبقى في ذاكرة الشعوب من زرع أدوات الموت بل من أعاد إليها القدرة على أن تعيش. ونحن في اليمن ندين لذاكرتنا التي لا تنسى وندين للأشقاء في المملكة وعلى رأسهم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
** **
- كاتب يمني